الثقب الأسود.. يبتلع عرق المزارع وقوت المواطن

بقلم: عبد الكريم الشنون
مستشار جودة الحياة والتمكين الاجتماعي

تعتبر لقمة العيش في الأردن اليوم أكثر من مجرد حاجة بيولوجية؛ إنها معركة يومية يخوضها المواطن البسيط في مواجهة أمواج متلاطمة من الغلاء غير المبرر، وسط تساؤلات مشروعة عمن يدير المشهد خلف الكواليس. وحين ترتفع الأصوات من قلب الميدان، ومن لسان أولئك الذين خبروا خفايا السوق المركزي، لتضع أصحاب القرار في وزارتي الزراعة والصناعة، وحتى رئاسة الوزراء، أمام مسؤولياتهم المباشرة، فإننا لا نتحدث هنا عن مجرد انفعال عابر، بل عن شهادة ميدانية حية تكشف عجز الأدوات الرقابية عن لجم “مافيات” و”سماسرة” السوق المركزي الذين أحكموا قبضتهم على قوت الشعب بلا حسيب أو رقيب.

هذه الحرب المبطنة على ميزانية الأسرة الأردنية تأتي في توقيت حرج، حيث تتقاطع الضغوط الإقليمية والتحولات السياسية المحيطة بملفات مثل أمن الخليج ومضيق هرمز، مع ضغوط تشريعية محلية كقانون الضمان الاجتماعي، لتجعل من المواطن الكادح الحلقة الأضعف في سلسلة اقتصادية تفتقر للعدالة. والمفارقة الصادمة تكمن في تلك “الفجوة السعرية” القاتلة؛ حيث يئن المزارع الأردني تحت وطأة الخسائر والديون لشركات الأسمدة والبذور، ويبيع محصوله بأسعار بخسة لا تغطي كلفة قطافه، بينما يدفع المستهلك النهائي أضعاف هذا السعر في مراكز التجزئة، وهنا يبرز السؤال الوجع: من الذي يبتلع عرق المزارع وجيب المواطن في آن واحد؟

الحقيقة المرة التي ينقلها المطلعون على خفايا السوق المركزي تشير إلى توغل “حلقات وسيطة” وسماسرة ظل، بعضهم من العمالة الوافدة التي باتت تتحكم في مفاصل التداول اليومي، وتفرض سطوتها على آليات العرض والطلب بلغة الاستعلاء وكأنهم فوق القانون. هذه الفئة التي لا تزرع ولا تحرث، تقتات ببرود على جهد المزارع وحاجة المستهلك، مستغلة غياب الرقابة الميدانية الحقيقية التي تتجاوز المكاتب المكيفة لتصل إلى “ساحات الحراج” ومحلات الكمسيون. إنها عملية احتكار مقنعة تجري تحت أعين المؤسسات الرسمية التي تكتفي أحياناً بوضع سقوف سعرية لا تلتزم بها إلا الأوراق، بينما يظل الواقع الميداني رهينة لقبضة هؤلاء السماسرة الذين لا يرحمون.

إن جودة الحياة والتمكين الاجتماعي لا يمكن تحقيقهما أبداً في ظل تغول فئة قليلة على قوت الملايين؛ فالحل لا يكمن فقط في تغليظ العقوبات، بل في استعادة “هيبة الرقابة الوطنية” وإعادة هيكلة السوق المركزي ليصبح مكاناً لتسويق جهد المزارع لا لامتصاص دمه. نحتاج اليوم وبشكل عاجل إلى كسر هذه الحلقات الوسيطة، واستبدالها بمنظومات تسويقية مباشرة تضمن وصول المنتج من الحقل إلى المائدة بعدالة، بعيداً عن “خياشيم” السماسرة الذين لا يرون في رغيف الخبز وحبة البندورة إلا أرقاماً لزيادة أرصدتهم. كان الله في عون المواطن الذي بات يبحث عن الأمان في لقمته قبل أي شيء آخر، بانتظار قرار جريء يثبت أن مصلحة الوطن فوق كل المافيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى