حتى لا تحيد البوصلة

منذ أبد الدهر لم ينجح ذلك التاريخ المصطنع بأيادي التزييف والتدليس طمس تلك الآثار الخالدة المحفورة بأنامل قدت من فولاذ الإرادة، فنَقشت صوان الأرض وتربعت على شواهق الجبال بصدى علا مداه فوق هام الغمام ممزوجاً بعبقٍ زكي متعال من مسك الدماء الطاهرة التي بتعاقب السنين تغلغلت بسيلان نزفها على تراب الأرض المقدسة، لتروي في أعماقها جذوراً لا تموت ولا تُقتلع مبرهنة حقنا الأزلي الذي لن نتخلى عنه أبداً مهما طال الزمن.

 

((انا كالقيامة.. أتظن أنك عندما أحرقتني.. ورقصت كالشيطان فوق رفاتي.. وتركتني للذاريات تذرني.. كحلاً لعين الشمس في الفلوات.. أتظن أنك قد طمست هويتي!.. ومحوت تاريخي ومعتقداتي؟.. عبثا تحاول.. لا فناء لثائرٍ.. أنا كالقيامة ذات يوم آتٍ)). مهذل الصقور

 

إنها فلسطيننا العربية قضيتنا الوطنية القومية و قضية كل الشرفاء الأوفياء للإنسانية كما أكد جلالة الملك في خطابه الأخير قائلاً: «ستبقى بوصلتنا فلسطين، وتاجها القدس الشريف، ولن نحيد عن الدفاع عن مصالحها وقضيتها العادلة، حتى يستعيد الشعب الفلسطيني الشقيق حقوقه كاملة، لتنعم منطقتنا وشعوبنا كلها بالسلام الذي هو حق وضرورة لنا جميعًا».

 

في الأيام القليلة الماضية ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي جرائم وحشية لا يستوعبها عقل ولا يحتملها وجدان ذو ضمير حي حيث تمثلت هذه الجرائم بقصف المستشفيات، المدارس وقوافل النازحين العزل في قطاع غزة مما أدى لاستشهاد المئات من المدنيين من بينهم أطفال، نساء جرحى و مصابين و كوادر طبية إضافة لعدد غير محدد من المفقودين حتى هذه اللحظة مما يمثل انتهاكًا صارخًا لكل معاني الإنسانية ولكل القوانين والأعراف الدولية التي ينتهج المجتمع الدولي في تطبيقها معايير مزدوجة و انتقائية خاصة عندما يتعلق الأمر بالممارسات الاسرائيلية الإجرامية بحق الشعب الفلسطيني القابع تحت جبروت الاحتلال منذ عقود مما أثار ذلك ردات فعل غير مسبوقة في العديد من دول العالم الغربي والعربي على كافة المستويات السياسية والشعبية بخروج العديد من الوقفات الاعتصامية والمظاهرات الصارخة بالمطالبات المتكررة بوقف المجازر الاسرائيلية و فتح الممرات الآمنة لإيصال المعونات العاجلة للشعب الفلسطيني من الغذاء، الدواء والمساعدات الإنسانية برغم كل محاولات التضليل وقلب الحقائق التي لم توفق بها أي من الجهات المعنية أو الإعلامية في تلك الدول الغربية الهادفة لحجب صوت الحق و تغييب الشعوب عما يجري فعلياً في الأراضي الفلسطينية وذلك لوجود العديد من ناقلي الواقع و الوقائع الحقيقية عبر كافة منصات التواصل الاجتماعي و وسائل الاعلام الحر النزيه الذين ركزوا الأضواء على بشاعة الأحداث الدامية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني بكل احترافية مهنية و مصداقية عالية محققين انتصارات من نوع آخر لنصرة القضية الفلسطينية العادلة.

 

في ظل كل هذه الأحداث المتسارعة المتصاعدة بوتيرة عالية الخطورة كان الأردن كعادته سباقاً في الاستنفار من أجل فلسطين الأبية بكل ما أوتي من قوة وعلاقات سياسية ودبلوماسية وبجهود متفانية من قيادتنا الهاشمية الحكيمة وعلى رأسها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه، لوقف ما يتعرض له أهلنا في قطاع غزة من محاولات إبادة جماعية، تهجير قسري و تدمير شامل.

 

كما فاضت شوارع المدن والقرى في كافة ألوية ومحافظات المملكة الأردنية الهاشمية بمسيرات التضامن والتأييد للشعب الفلسطيني واستنكاراً للجرائم الاسرائيلية منذ اللحظات الأولى التي بدأت فيها الأحداث الأخيرة. فهنا لا مجال أبداً للمزاودة أو المساومة أو حتى اختلاق ذرة من التشكيك في مصداقية وحقيقة الالتحام الأردني الفلسطيني الشاهد عليه تراب فلسطين، بمختلف بقاعها التي تكتنف رفات شهداءنا الأبرار من الجيش العربي الأردني الهاشمي الذي كان دوماً متأهباً للدفاع عن مقدساتنا معتقداتنا قضيتنا ووطننا المعطاء.

 

من المؤسف حقاً أن يكون هناك بعض التجاوزات الغاضبة الغير مبررة اتجاه قواتنا الأمنية التي تتواجد في الميدان لحفظ سلامة الأفراد والممتلكات العامة والخاصة، لماذا لا نمارس حقنا المكفول للجميع في التعبير عن الرأي -بالطرق السلمية- بلا أي مخاطر أو تداعيات قد تشتت اتجاه بوصلتنا ولا تخدم إلا أعداء أمتنا المتربصين باستقرارنا والطامحين لزعزعة صمودنا الشامخ في وجه الطغيان.

 

هؤلاء النشامى من أفراد المرتبات الأمنية بمختلف تصنيفاتهم هم حُماتنا.. سواعدنا.. أهلنا وأحبتنا جنود الوطن ورجاله -حيث ما كانوا وكل حسب موقعه- لهم علينا حق الاحترام و حسن التعامل و المعاملة عرفاناً وتقديراً لما يكابدونه من صعوبات وضغوطات عمل متواصلة لا يتوانون عن تحملها بكافة مشاقها ليبقى هذا الوطن بكل من يحيا على ترابه في أمن و أمان دائم بمشيئة لله وقدرته.

 

إن المصاب لأهلنا في فلسطين جلل لا يفسره منطق أو يفقه وعي أثقل قلوبنا التي يعتصرها الألم باحساس العجز و القهر عن مد يد العون بشمولية أكبر و طرق أكثر لمساعدتهم ونصرتهم كما يجب فنرزح تحت أضعف الايمان تارة و نسلك طريق الجهر بالقول تارة أخرى لكننا في خضم كل هذه المشاعر المتأججة يجب أن نكون على قدر المسؤولية باتخاذ وتنفيذ القرار الصائب دوماً بالتكاتف متعاضدين كالبنيان المرصوص سداً منيعاً لا يهتز ولا يوهن أمام كل المحن حفاظاً على وطننا الأردني العظيم و منعة كيانه المتين واقفين بصلابة لا تقهر خلف قيادتنا الهاشمية الرشيدة الساعية بقوة لنصرة قضية فلسطين و شعبها شعب الجبارين رافعين بعز و فخر رايتنا الأبدية الخالدة.. الله الوطن المليك تحت الراية الهاشمية. والله دوماً من وراء القصد .

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى