الإعلام حين يداوي الأرواح
أخطر الحروب ليست تلك التي تدور على الحدود، ولا أعنف المعارك تلك التي تُخاض بالسلاح، فهناك معارك أخرى أكثر هدوءًا وأشد أثرًا، تدور في أعماق الإنسان؛ في قلبه حين يضيق، وفي عقله حين يثقل، وفي روحه حين تتعب من حمل ما لا يُرى. وفي هذه المساحة الخفية التي لا تلتقطها الكاميرات، ولا تُقاس بالأرقام والإحصاءات، يبرز الإعلام بوصفه أحد أكثر القوى تأثيرًا في تشكيل الحالة النفسية للإنسان المعاصر.
لقد اعتاد الناس النظر إلى الإعلام باعتباره ناقلًا للأخبار وصانعًا للرأي العام ومؤثرًا في الاتجاهات السياسية والاجتماعية، لكن قليلين من يتأملون دوره العميق في تشكيل المزاج الإنساني وصناعة المشاعر الجماعية. فالإعلام ليس مجرد وسيلة تخبرنا بما يحدث في العالم، بل هو في كثير من الأحيان العدسة التي نرى العالم من خلالها، والنافذة التي نتلقى عبرها الأمل أو الخوف، الطمأنينة أو القلق، الثقة أو الشك.
إن الإنسان في هذا العصر يعيش داخل تدفق لا ينتهي من الرسائل والصور والعناوين والتعليقات. يستيقظ على خبر وينام على آخر، ويتنقل بين آلاف القصص في ساعات قليلة. ومع هذا التدفق الهائل لم تعد المشكلة في نقص المعلومات، بل في أثرها النفسي المتراكم. فالكلمات لا تمر مرورًا عابرًا كما نتصور؛ إنها تستقر في الذاكرة، وتعيد تشكيل الانفعالات، وتصنع صورة الإنسان عن ذاته وعن العالم.
من هنا تنبع المسؤولية الأخلاقية العظيمة للإعلام. فالكلمة ليست حبرًا على ورق، وليست أصواتًا تتردد في الأثير، بل هي طاقة قادرة على البناء والهدم في آن واحد. وقد أثبت التاريخ أن كلمة واحدة أشعلت أممًا، وأخرى أنقذت قلوبًا من اليأس، وأن خطابًا إعلاميًا متزنًا يمكن أن يمنح مجتمعًا كاملًا القدرة على الصمود، بينما قد يؤدي خطاب آخر قائم على التهويل والتشاؤم إلى نشر الإحباط والخوف في النفوس.
إن الإعلام حين يكتفي بمطاردة المآسي دون أن يضيء مساحات الأمل، يشبه طبيبًا يصف المرض ولا يقدم العلاج. فالواقع، مهما كان قاسيًا، لا يتكون من الألم وحده. في كل مكان هناك قصص نجاح، وأعمال خير، ومبادرات إنسانية، وأشخاص يصنعون فرقًا في حياة الآخرين.
وحين يختار الإعلام أن يمنح هذه النماذج مساحة تستحقها، فإنه لا يمارس التجميل أو الهروب من الحقيقة، بل يقدم الحقيقة كاملة؛ لأن الحياة ليست ظلامًا مطلقًا، كما أنها ليست نورًا مطلقًا.
والإنسان بطبيعته يحتاج إلى المعنى بقدر حاجته إلى المعلومة. يحتاج إلى أن يشعر أن جهوده ليست عبثية، وأن المستقبل لا يزال يحمل إمكانية أفضل، وأن العالم رغم ما فيه من اضطراب ما زال يتسع لفعل الخير والجمال. وهنا يصبح الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل للحدث.
ولعل أخطر ما يواجه النفس الإنسانية اليوم هو الاعتياد على الألم. فالتكرار المستمر للمشاهد القاسية والأخبار الصادمة قد يجعل الإنسان أقل قدرة على التعاطف، وأكثر ميلًا إلى الانسحاب النفسي والشعور بالعجز. وهذا ما يفرض على الإعلام مسؤولية مضاعفة؛ مسؤولية أن ينقل الحقيقة دون أن يحول المأساة إلى مشهد يومي فاقد للتأثير الإنساني، وأن يحافظ على حساسية الضمير الجمعي دون أن يغرقه في الإنهاك العاطفي.
كما أن للإعلام دورًا لا يقل أهمية في إعادة الاعتبار للصحة النفسية بوصفها جزءًا أصيلًا من صحة الإنسان. فالعالم اليوم يدرك أكثر من أي وقت مضى أن الجروح النفسية قد تكون أعمق من الجروح الجسدية، وأن القلق والاكتئاب والوحدة ليست مجرد حالات فردية، بل تحديات إنسانية واسعة الانتشار.
وحين يفتح الإعلام أبوابه لهذه القضايا بوعي واحترام وعمق، فإنه يساهم في كسر الصمت الذي يحيط بها، ويمنح الملايين شعورًا بأن معاناتهم مفهومة ومعترف بها.
غير أن أعظم ما يمكن أن يقدمه الإعلام للإنسان هو الأمل. ليس الأمل الساذج الذي يتجاهل الواقع، بل الأمل الواعي الذي يرى الصعوبات بوضوح ويؤمن رغم ذلك بإمكانية تجاوزها. فالأمم لا تستمر بقوة اقتصادها وحده، ولا بقوة مؤسساتها فقط، بل بقوة معنوياتها أيضًا. وحين تنهار المعنويات تبدأ الهزيمة الحقيقية، حتى لو كانت الموارد متوافرة. أما حين يبقى الأمل حيًا، فإن الإنسان يواصل السير مهما طال الطريق.
إن الإعلام الذي يدرك هذه الحقيقة لا يتعامل مع جمهوره بوصفه أرقامًا ومشاهدات ونسب متابعة، بل بوصفه بشرًا يحملون أحلامًا ومخاوف وآمالًا وانكسارات.
إنه إعلام يعرف أن خلف كل شاشة قلبًا يتأثر، وخلف كل خبر إنسانًا قد يتغير يومه أو مستقبله أو نظرته إلى الحياة بسبب كلمة سمعها أو صورة رآها.
في نهاية المطاف، لا تكمن عظمة الإعلام في قدرته على الوصول إلى ملايين الناس، بل في قدرته على الوصول إلى أعماقهم. فالأجهزة تتطور، والمنصات تتغير، والتقنيات تتجدد، لكن الإنسان يبقى هو الإنسان؛ يبحث عن كلمة تمنحه الطمأنينة، ورسالة تعيد إليه الثقة، وصوت يذكره وسط ضجيج العالم بأن الحياة، رغم كل شيء، ما تزال جديرة بأن تُعاش.
وعندما يصبح الإعلام حاملًا لهذه الرسالة الإنسانية النبيلة، فإنه لا يكتفي بنقل الواقع، بل يشارك في صناعة مستقبل أكثر توازنًا ورحمة وإنسانية. عندها تتحول الكلمة من خبر عابر إلى قوة شفاء، وتصبح الرسالة الإعلامية فعلًا من أفعال البناء النفسي والحضاري، ويغدو الإعلام، في أرقى صوره فنّاً لإنقاذ الروح قبل أن يكون وسيلة لنقل الخبر.
بقلم د.دانه خطاب والأستاذ نادر سكاكية




