استقرار محدود بين الصين والولايات المتحدة

بعد زيارة ترامب إلى الصين، لا يكمن التغير الأبرز في العلاقات الصينية الأميركية في حدوث تحول جذري، بل في محاولة الطرفين إعادة رسم حدود المنافسة الطويلة بينهما. فالرسالة الأساسية التي خرجت من لقاء بكين هي أن البلدين لن يعودا إلى مرحلة الاعتماد المتبادل الواسع والتعاون الشامل كما في الماضي، لكنهما في الوقت نفسه يسعيان إلى منع المنافسة من الانزلاق نحو تصعيد عشوائي. وبعبارة أخرى، تدخل العلاقات بين الصين والولايات المتحدة مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ“الاستقرار المحدود”.

يظهر هذا الاستقرار أولًا في استعادة التواصل رفيع المستوى. فقد عادت دبلوماسية القمة لتؤدي دورًا توجيهيًا، وبدأ الطرفان في استئناف أو تعزيز آليات الحوار حول التجارة والاستثمار والطاقة والأمن الإقليمي. وهذا يعني أن بكين وواشنطن تدركان أن الانفصال الكامل ليس واقعيًا ولا يخدم مصالح أي منهما. فالولايات المتحدة تحتاج إلى السوق الصينية وسلاسل الإمداد ودور الصين في القضايا الإقليمية، بينما تحتاج الصين إلى بيئة خارجية أكثر قابلية للتنبؤ، من أجل تقليل حالة عدم اليقين الناجمة عن الرسوم الجمركية والقيود التكنولوجية والصراعات الجيوسياسية.

وقد تكون التجارة أول مجال يشهد تهدئة نسبية. فترامب يحتاج إلى إثبات أن التواصل مع الصين يمكن أن يحقق مكاسب ملموسة في الداخل، في حين تسعى الصين إلى تخفيف تداعيات الحرب التجارية على توقعات السوق واستقرار سلاسل الصناعة. لذلك قد تنتقل العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، خلال الفترة المقبلة، من منطق “المواجهة العقابية” إلى منطق “المنافسة والتبادل والإدارة في آن واحد”. لكن ذلك لا يعني مصالحة شاملة، بل إعادة ارتباط انتقائية؛ فما يستحق التفاوض سيُتفاوض عليه، وما يستحق الخلاف سيظل موضع خلاف.

والأهم أن أجندة العلاقات الصينية الأميركية باتت أكثر اتساعًا. فقد دخلت قضايا الشرق الأوسط، ومضيق هرمز، والملف النووي الإيراني، وأمن ممرات الطاقة، ضمن نطاق التواصل رفيع المستوى بين البلدين. وهذا يدل على أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة بسهولة على تجاوز الصين في الأزمات الدولية الكبرى، كما يتيح للصين تعزيز صورتها كقوة كبرى تدعو إلى الحوار، وتحافظ على أمن الممرات، وتعارض توسيع رقعة الصراعات. غير أن هذا التعاون يظل في جوهره إدارة للأزمات، لا تعاونا استراتيجيا.

في المقابل، لم تختفِ التناقضات البنيوية بين الصين والولايات المتحدة. فقضية تايوان لا تزال الخط الأحمر الأكثر حساسية، والمنافسة التكنولوجية ستبقى مسارًا طويل الأمد. كما ستظل ملفات الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والمعادن الحيوية، والحد من التسلح النووي، مصادر احتكاك استراتيجي مستمر. كذلك ستقيد السياسة الداخلية الأميركية هامش حركة ترامب في التعامل مع الصين. فزيارة واحدة يمكن أن تحسّن الأجواء، لكنها لا تكفي لتغيير الإطار الأساسي للمنافسة الأميركية مع الصين.

لذلك يمكن تلخيص العلاقات الصينية الأميركية بعد زيارة ترامب إلى الصين على النحو الآتي: عودة التواصل رفيع المستوى، لكن الثقة ما زالت محدودة؛ تهدئة نسبية في الاقتصاد والتجارة، لكن الاحتكاكات باقية؛ زيادة التعاون في القضايا الدولية الساخنة، لكن الخلافات الاستراتيجية مستمرة؛ وتعزيز إدارة الأزمات، لكن هامش التنازل في قضايا المصالح الجوهرية لا يزال ضيقًا.

الاختبار الحقيقي لا يزال قادمًا. فمدى قدرة آليات التجارة والاستثمار على التحول إلى نتائج ملموسة، وإمكانية تهدئة الأزمات الإقليمية، وما إذا كانت السياسة الأميركية تجاه تايوان ستواصل الاقتراب من الخطوط الحمراء الصينية، وما إذا كانت اللقاءات اللاحقة بين زعيمي البلدين ستنتج أرضية أكثر استقرارًا؛ كل ذلك سيحدد ما إذا كان لقاء بكين مجرد تهدئة مؤقتة، أم بداية دخول العلاقات الصينية الأميركية مرحلة “الاستقرار المحدود”. والحكم الأكثر واقعية الآن هو أن العلاقات بين البلدين لن تتحسن بسرعة، لكنها أيضًا لم تعد تسير مؤقتًا نحو السيناريو الأسوأ. فالصين والولايات المتحدة تتعلمان طريقة أكثر واقعية للتعايش: ليستا صديقتين، وليستا عدوتين بالكامل، بل قوتان كبيرتان مضطرتان إلى التعايش طويلًا، تتقيدان ببعضهما، وتحتاج كل منهما إلى الأخرى في الوقت نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى