إعادة بناء التعليم بتكلفة أقل وأثر أكبر

طلال أبوغزاله / 2026
التعليم كما عهدناه طوال قرن كامل يقف اليوم في مواجهة لحظة تاريخية نادرة يشبه فيها السيف حين ظهر البارود، أو الخيل عند تصنيع المحرك والفاكس عند بدء الانترنت، لم يكن السيف سيئاً، ولا الخيل عاجزة، ولا الفاكس طفرة تقنية بلا جدوى، بل كلها كانت قمّة في عصرها حتى اللحظة التي جاء فيها بديل أكثر إنتاجية، أقل كلفة، وأعلى قدرة على مضاعفة الفاعلية.
وحينها لم يعد السؤال هل نحب الأدوات القديمة، بل هل يمكن أن تستمر في عالم تجاوزها، المفكرون الذين قرأوا التحولات الكبرى قبل أن يراها الجميع يكررون اليوم مقولة أصبحت أشبه بنبوءة تحققت انتهى التعليم التقليدي.
نعم انتهى، ولكن ليس بمعنى سقوط المدارس والجامعات، بل بسقوط جدوى نموذج كامل كان يقوم على التلقين باعتباره أداة علم وعلى الامتحان بوصفه غاية وعلى الحجرة الصفية باعتبارها مسرح التعلم الوحيد وعلى بنية تحتية ومرافق لم تعد تقدم القيمة التي تبرر كلفتها.
التطور التقني وضع العالم أمام قاعدة بسيطة المعرفة لم تعد حبيسة مبنى ولا مهارة تحتاج إلى مقعد خشبي بال وحقيبة تثقل عقل وكاهل الطالب، ولا ابتكار يشترط توقيت الحصة ملايين الساعات من العلوم والتقنيات واللغات والمهارات التطبيقية، متاحة اليوم فوراً وبلا تكلفة تُذكر مقارنة بما يُنفق داخل الهياكل التقليدية.
هذا يعني أن أكبر جزء من الإنفاق التعليمي العالمي يذهب اليوم إلى خدمة إطار لم يعد ضرورياً، بدلاً من تمويل الابتكار نفسه، وهنا يدخل منطق الاقتصاد السياسي للتقدم أي أن الإنفاق يجب أن يذهب حيث تتضاعف القيمة لكل وحدة كلفة.
ما يفعله التقدم الرقمي أنه يفتح باباً لإعادة توجيه الموارد نحو ما يصنع اقتصاد المستقبل لا ما يحافظ على شكل الماضي فالتعليم بهدف الابتكار لا بهدف النجاح في الامتحان ومن اجل تطوير المهارات والكفاءات لا الشهادات ومن أجل الإنتاج لا الحضور الإجباري ومن أحل بناء القدرات لا تحسين نسب النجاح.
وأقول ربما لا يعجب قولي الكثير إن البنية التقليدية للتعليم تحولت إلى ما يشبه الأدوات الزراعية القديمة فما إن جاءت آلات أعلى إنتاجية حتى أصبح التمسك بالأدوات السابقة قراراً مكلفا وربما مرتبط بالقلة أكثر منه اقتصادياً او انتاجيا
السبورة والحافلة واستهلاك الوقود والمبنى والقاعة ونظام الدوام حتى فكرة الامتحان نفسه كلها مكوّنات كانت تمكّن العملية التعليمية لكنها اليوم تبطئها فلم تعد استجابة لسرعة المعرفة ولا لطبيعة سوق العمل الذي تتغير وظائفه قبل أن تُكتب الكتب الدراسية.
أنا لم ولن أدعو إلى هدم المؤسسات التعليمية، بل إلى تحريرها من الشكل الذي لم يعد يؤدي وظيفته، وهذا ما قلته في بعض طروحاتي عندما ترأست أول مؤتمر دولي للتعليم في الأمم المتحدة عام 1995، نحن نريد تعليماً يقوم على التصميم لا التكديس وعلى الاكتشاف لا الحفظ وعلى بناء الإنسان المنتج لا الطالب المطيع، نعم نريد نموذجا يستثمر جزءاً يسيراً مما يُنفق اليوم على البنية ليبني بيئة تعلم مرنة رقمية متقدمة منخفضة الكلفة وعالية العائد.





