هل تقف إيران على حافة السيناريو الفنزويلي في استراتيجية ترامب الهجومية الجديدة ؟
د . مهدي مبارك عبد الله
في واقع الحال لم يعد السؤال المركزي المطروح في النقاشات السياسية الدولية يدور حول ما إذا كانت الولايات المتحدة بصدد إعادة تعريف أدوات تدخلها في النظام العالمي بل بات يتمحور حول هوية الهدف التالي في هذه الاستراتيجية التي تتسم بقدر متزايد من الفجاجة وتراجع واضح في الاكتراث بقواعد الشرعية الدولية منذ عودة دونالد ترامب إلى واجهة القرار الأميركي خاصة وان اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مؤخرا من قلب كراكاس ونقله إلى نيويورك لمحاكمته لم يكن حادثة استثنائية ولا رسالة ردع عابرة بل مثّل انتقالاً نوعياً في العقيدة الأميركية المتحولة من سياسة الاحتواء والعقوبات الطويلة الأمد إلى سياسة كسر الأنظمة بالقوة الصلبة حين تنضج اللحظة السياسية المواتية وتصبج الكلفة قابلة للإدارة
في هذا الاطار تبرز إيران بوصفها المرشح الأكثر ترجيحاً للانتقال من الاستهداف غير المباشر إلى خانة الضغط المفتوح وربما التدخل المباشر أو شبه المباشر لا لكونها الخصم الأيديولوجي الأبرز لواشنطن وتل أبيب فحسب بل لأن المشهد الداخلي الإيراني المضطرب يعيش واحدة من أكثر لحظاته هشاشة منذ قيام الجمهورية بفعل تلاقي ثلاثة مسارات خطرة بدأ من الاحتجاجات الاجتماعية المتصاعدة والانهيار الاقتصادي الناتج عن العقوبات المتواصلة وفقدان بعض مناطق العمق الاستراتيجي الخارجي التي تشكل رئة للنظام وفي مقدمتها فنزويلا
القراءة الإسرائيلية لهذه التحولات لم تكن خافية إذ سارعت الصحافة العبرية إلى الربط الصريح بين ما جرى في كراكاس وما قد يترتب عليه في طهران معتبرة أن اختطاف مادورو شكل كسراً لما كان يُعرف سابقاً بالخطوط الأميركية الحمراء كما ان فيه رسالة مفادها أن الحصانة السيادية لم تعد ضمانة للبقاء متى ما توافرت ثلاثة شروط اولها العداء الصريح للولايات المتحدة ثم التحالف مع خصومها الكبار والانكشاف الداخلي أمام الشارع
خطاب ترامب نفسه عزز هذا الانطباع حين انتقل من التهديد الضمني إلى الوعيد العلني بالتدخل تحت شعار إنقاذ الشعب الإيراني إذا ما واجه قمعا وتعسفاً دموياً وهو توجه يعيد إلى الأذهان النموذج الفنزويلي حيث جرى توظيف ملف حقوق الإنسان والاحتجاجات الشعبية كغطاء سياسي وأخلاقي مزيف لعملية عسكرية خاطفة انتهت باعتقال رئيس دولة ذات سيادة
الحقيقة لا يمكن فصل هذا المسار عن الحضور المتعاظم لتيار يميني أميركي متطرف داخل إدارة ترامب ومحيطه السياسي يرى في إسقاط الأنظمة المعادية فرصة لإعادة رسم خريطة النفوذ العالمي بالقوة فظهور السيناتور ليندسي غراهام مرتدياً قبعة تحمل شعار لنجعل إيران عظيمة مرة أخرى لم يكن تفصيلاً إعلامياً عابراً بل تعبيراً فجا عن عقيدة سياسية تعتبر تغيير النظام في طهران هدفاً مشروعاً ومعلناً
على الجانب الاخر سقوط مادورو حمل بالنسبة لإيران دلالات مضاعفة حيث لم يكن الرجل حليفاً سياسياً عادياً بل مثّل حجر زاوية في التمدد الإيراني داخل أميركا اللاتينية وفنزويلا كانت القاعدة اللوجستية والاقتصادية والأمنية الأهم لطهران وحزب الله في نصف الكرة الغربي ومنها أُديرت شبكات تهريب النفط والذهب والتحايل على العقوبات ونُقلت التكنولوجيا العسكرية والطائرات المسيّرة وعبرها بُني حضور استخباراتي طويل الأمد قرب ضمن نقطة حساسة في المجال الحيوي الأميركي
لهذا فإن إخراج فنزويلا من المعادلة لا يعني خسارة حليف لإيران فقط بل انهيار منصة استراتيجية كاملة كانت تستخدم كأداة ضغط مضادة للولايات المتحدة وإسرائيل وهو ما يفسر توصيف الصحافة الإسرائيلية لما جرى بأنه ضربة قاسية لمحور المقاومة برمته وليس لطهران وحدها إذ إن حرمان إيران من هذا العمق يعني تضييق الخناق المالي على حزب الله وكشف شبكات نفوذ كانت تعمل تحت غطاء دبلوماسي وإعلامي وديني بشكل فاعل
بالنظر الى التحولات السياسية المتسارعة في أميركا اللاتينية نجد انها تضيف بعداً جديداً لهذا المشهد فصعود حكومات يمينية معادية لإيران في الأرجنتين وتشيلي والإكوادور وتراجع اليسار الراديكالي سيحدّان من قدرة طهران على إعادة إنتاج نفوذ بديل في القارة ما يجعل فقدان فنزويلا حدثاً غير قابل للتعويض في المدى المنظور
في الداخل الإيراني تتابع القيادة هذه التطورات بقلق بالغ في وقت تشهد فيه المدن الإيرانية احتجاجات واسعة تغذيها أزمة معيشية خانقة وانهيار شبه كامل للعملة الوطنية وهو ما يخلق بيئة مثالية لإمكانية تكرار السيناريو الفنزويلي من حيث تلاقي الضغط الخارجي مع الغضب الشعبي الداخلي لإنتاج لحظة كسر تاريخية
هنا يبرز السؤال الأكثر حساسية ماذا عملت إيران فعلياً لتحصين نفسها ومنع تشكل هذه اللحظة الخطيرة فالواقع يشير إلى أن طهران حاولت خلال السنوات الأخيرة الجمع بين مسارين متوازيين أمني صلب تمثل في تشديد القبضة الداخلية وتعزيز قدرات الردع الإقليمية وسياسي إصلاحي جزئي هدفه امتصاص الغضب الشعبي عبر وعود اقتصادية محدودة وإجراءات تخفيفية لم تمس جوهر الأزمة البنيوية غير أن هذه المحاولات بدت حتى الآن متأخرة ومجزأة وغير مجدية فالتصالح الحقيقي مع الشارع لم يتحقق لأن الأزمة لم تعد مطلبية بل وجودية تتعلق بالثقة بين المجتمع والدولة وبمفهوم الحكم ذاته لدى الأجيال الجديدة كما أن الاعتماد المفرط على أدوات الردع الأمنية زاد من هشاشة الجبهة الداخلية بدلاً من تحصينها وجعل أي تصعيد خارجي أكثر خطورة في ظل غياب إجماع وطني قوي وصلب
أما على المستوى الخارجي فقد سعت إيران إلى تعميق شراكاتها مع روسيا والصين والانفتاح على الفضاء الآسيوي باعتباره بديلاً عن الغرب إلا أن التجربة الفنزويلية كشفت محدودية هذا الرهان إذ لم تتحول تلك الشراكات إلى مظلة حماية حقيقية عند لحظة الاختبار الصادمة وهو ما يضع طهران أمام معادلة قاسية مفادها أن التحالفات لا تعوض غياب التماسك الداخلي لمواجهة التحديات المقبلة
في المقابل يلفت الصمت الروسي الصيني والاكتفاء بالمراقبة من مقاعد المتفرجين الانتباه أكثر من أي موقف معلن إذ يطرح هذا السلوك تساؤلات جوهرية حول طبيعة الدور الذي باتت موسكو وبكين تلعبانه في لحظات التحول الحاسمة ولماذا تكتفيان ببيانات القلق الدبلوماسي فيما يُسحب أحد أهم حلفائهما الاستراتيجيين من المشهد بالقوة الأميركية وهل يعود ذلك إلى عجز فعلي أم إلى حسابات براغماتية باردة تفضل المصالح الكبرى على حساب الحلفاء الطرفيين
فنزويلا لم تكن مجرد شريك سياسي لكل من روسيا والصين بل منصة متقدمة لكسر الهيمنة الأميركية في الفناء الخلفي لواشنطن واستثمرت فيها العاصمتان مليارات الدولارات وأقامت عبرها حضوراً عسكرياً واقتصادياً عالي الدلالة ومع ذلك كشف سقوط مادورو حدود الالتزام الحقيقي لحلف يفترض أنه مناهض للغرب فهل باتت فنزويلا وإيران معاً ضمن دائرة النفوذ القابل للتضحية في لعبة الأمم الكبرى
الأخطر في الامر أن الامتناع عن التدخل لا يُقرأ فقط كحساب عقلاني بل كرسالة سلبية لبقية الحلفاء مفادها أن مظلة الحماية ليست مضمونة وأن الشراكات مع القوى الكبرى لا تتحول تلقائياً إلى التزامات أمنية عند لحظة الاختبار وهو ما يفتح الباب أمام واشنطن لتكرار النموذج ذاته ضد خصوم آخرين من دون خشية ردع مقابل او مجرد التهديد بالتحرك
السؤال الأعمق في ظل هذا النكوص العجيب يتعلق بما كان ينبغي على موسكو وبكين فعله وما الذي لا يزال متاحاً أمامهما سيما وان الاكتفاء بإدارة الخسائر يسرّع تفكيك المحور المناهض للغرب فيما كان من الممكن لتدخل سياسي صلب أو تحرك عسكري رمزي أو حتى رفع كلفة التدخل الأميركي عبر أدوات غير مباشرة أن يغير قواعد اللعبة أو يؤجل لحظة الانهيار ويعيد حسابات الردع إلى الواجهة
عمليا إذا استمر هذا النهج القائم على المراقبة بدلاً من المبادرة فإن الرسالة التي ستصل إلى طهران وغيرها من العواصم الحليفة ستكون قاسية وواضحة بان ساعة المواجهة تُدار منفردة ومن يختار الاصطفاف في وجه واشنطن عليه أن يمتلك أدوات صموده الذاتية لأن الرهان على تدخل الحلفاء الكبار قد يتحول إلى وهم استراتيجي مكلف ولا يمكن الاعتماد عليه
الرسالة وصلت إلى ايران بان مادورو لن يكون الهدف الأخير وهي أمام أخطر اختبار منذ عقود ونموذج مادورو بات يطارد ها والساعة تدور بعجالة وقد تصبح إيران وحيدة في قلب العاصفة عالقة بين الاحتجاجات الداخلية والانكشاف الاستراتيجي وصمت الحلفاء في لحظة فاصلة بعد انهيار العديد من جبهات العمق الخارجي وبداية الخطر الوجودي وتخلي روسيا والصين عن حلفائهما عند ساعة الصفر مقابل رغبة ترامب بإعادة صياغة النظام العالمي بالقوة فمن يحمي من اختار مواجهة واشنطن في عالم متوحش بلا خطوط حمراء
في المحصلة ورغم خطورة التطورات السريعة للاحداث لا يمكن الجزم بأن إيران ستكون الهدف العسكري الأميركي التالي بالمعنى التقليدي للتدخل غير أن المؤشرات السياسية والإعلامية والاستراتيجية توحي بأن طهران دخلت عملياً مرحلة ما بعد الردع وأن نموذج مادورو بات حاضراً بقوة في حسابات الشارع الإيراني والنخبة الحاكمة على حد سواء وبينما تتآكل الهوامش الداخلية وتتراجع أوراق القوة الخارجية يزداد السؤال إلحاحاً ليس عمن سيكون التالي بل متى وبأي صيغة وكيف ستُدار لحظة الصدام الكبرى إذا ما قررت واشنطن أن ساعة الانتقال من التهديد إلى الفعل قد حانت
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]





