حضارات سابقة تكيفت مع جغرافية الأردن وتطورت، نحتاج استحضارها

كتب أ.د. محمد الفرجات

لم تكن جغرافية الأردن يومًا عائقًا أمام قيام الحضارات، بل كانت – على قسوتها وشح مواردها – مختبرًا مبكرًا للابتكار والتكيف. فمنذ آلاف السنين، نجحت حضارات متعاقبة في استثمار التضاريس القاسية، وترويض شح المياه، وبناء أنماط اقتصادية متوازنة مع البيئة.

واليوم، في زمن التغير المناخي وتزايد الضغوط على الموارد، تبدو الحاجة ملحّة لاستحضار هذه النماذج لا بوصفها إرثًا تاريخيًا فحسب، بل كخبرات تطبيقية قابلة للاستلهام.

الأنباط: عبقرية إدارة المياه في الصخر:
يُعد الأنباط النموذج الأبرز في تاريخ الأردن للتكيف المائي والاقتصادي. ففي بيئة شبه صحراوية، أسسوا نظامًا متقدمًا لحصاد المياه شمل القنوات المنحوتة، والسدود الصغيرة، والخزانات الصخرية، مع إدارة دقيقة للجريان السطحي والسيول.

لم تكن هذه الأنظمة دفاعية فقط، بل مكّنت الأنباط من تحويل البترا ووادي موسى إلى عقدة تجارية إقليمية، قائمة على الاستقرار المائي ودعم القوافل والزراعة المحدودة عالية القيمة.

الأدوميون والمؤابيون والعمونيون: الزراعة وفق الإقليم المناخي
في المرتفعات والهضاب الشرقية، طوّرت الممالك الأردنية القديمة – أدوم ومؤاب وعمون – أنماطًا زراعية متكيفة مع التباين المناخي والارتفاعات.
اعتمدوا على المدرجات الزراعية، وتوجيه الزراعة نحو المحاصيل الأكثر تحمّلًا للجفاف، واستثمار التربة البازلتية والكلسية بكفاءة.

وقد أسهم هذا التكيف في بناء اقتصادات محلية مستقرة، قائمة على الاكتفاء النسبي والتبادل التجاري.

الرومان والبيزنطيون: البنية التحتية المائية والاقتصاد الحضري:
مع دخول الرومان، شهد الأردن نقلة نوعية في هندسة المياه، تجلت في القنوات المائية (Aqueducts)، والبرك العامة، وتنظيم المدن وفق علاقة دقيقة بين الاستهلاك والإمداد المائي.
جرش وأم قيس مثالان على مدن بُنيت في توازن بين الموارد الطبيعية والنمو الحضري.

هذا النموذج يُظهر أن الاستثمار في البنية التحتية المائية كان شرطًا أساسيًا للازدهار الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

الحضارة الإسلامية المبكرة: المرونة والإدارة الرشيدة:
في العصور الإسلامية، برزت نماذج إدارة مائية مرنة تعتمد على الآبار، والبرك الموسمية، وتنظيم حقوق المياه، وربط العمران بالقدرة البيئية للمكان.
قصور الصحراء الأموية، على سبيل المثال، لم تكن مجرد منشآت سياسية، بل نقاط استقرار موسمي، أُنشئت وفق فهم دقيق لحركة المياه والمراعي والطرق.

دروس للمستقبل الأردني:
إن القاسم المشترك بين هذه الحضارات هو احترام الجغرافيا، والعمل معها لا ضدها. لم تُبنَ نماذجهم على وفرة الموارد، بل على إدارتها بكفاءة، وعلى اقتصاد متنوع، غير مُرهَق للبيئة.

واليوم، ونحن نواجه تحديات شح المياه، والاحترار العالمي، والضغط السكاني، فإن استحضار هذه النماذج يعني:
إعادة الاعتبار لحصاد مياه الأمطار والسيول محليًا.

توجيه التنمية وفق الأقاليم المناخية والجيولوجية.

بناء اقتصاد مرن، متنوع، ومتكيّف مع محدودية الموارد.

ربط التخطيط العمراني بالقدرة البيئية الحقيقية للمكان.

الأردن ليس بلدًا فقيرًا بالحلول، بل غني بالتجارب التاريخية. وما نحتاجه اليوم ليس اختراع العجلة، بل قراءة واعية لتاريخنا، وترجمة عبقرية الأجداد إلى سياسات معاصرة، تعيد التوازن بين الإنسان والمكان، وتؤسس لتنمية مستدامة قادرة على الصمود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى