من قوات الليفي إلى الجيوش الموازية المعاصرة.. قراءة في التاريخ حين يعيد إنتاج نفسه

ديمه الفاعوري
في كل مناسبة وطنية يُستعاد فيها تاريخ الجيوش النظامية، تتجدد الحاجة إلى قراءة نقدية واعية للتجارب التي حاولت الالتفاف على مفهوم الدولة عبر إنشاء قوى مسلحة خارج بنيتها السيادية. وتأتي ذكرى تأسيس الجيش العراقي لتعيد إلى الواجهة تجربة قوات الليفي باعتبارها إحدى أخطر المحاولات التي واجهت مشروع بناء الدولة الحديثة في العراق، ليس بوصفها حادثة تاريخية منتهية، وإنما كنموذج يتكرر بصيغ جديدة في الإقليم، ويستوجب التوقف عند دلالاته السياسية والأمنية العميقة وربطه بواقع الجيوش الموازية المعاصرة في سوريا وليبيا واليمن وغيرها.
نشأت قوات الليفي في سياق انهيار الدولة العثمانية وبروز الانتداب البريطاني على العراق، حيث أدركت بريطانيا أن السيطرة المباشرة مكلفة عسكريًا وسياسيًا، فاتجهت نحو تأسيس قوة محلية تعمل بوصفها ذراعًا أمنية مرنة تخدم مصالحها الاستراتيجية في بلاد الرافدين. ومنذ لحظاتها الأولى لم تكن هذه القوة جزءًا من مشروع الدولة العراقية الناشئة، إذ جرى تصميمها خارج مؤسسات الحكم الوطني وربطها قياديًا وعقائديًا بالضباط البريطانيين، ما جعلها كيانًا مسلحًا قائمًا داخل الجغرافيا العراقية دون أن ينتمي إلى السيادة العراقية.
اعتمد التشكيل الاجتماعي لقوات الليفي على هندسة عرقية مدروسة هدفت إلى تفكيك الولاء الوطني ومنع تشكّل هوية عسكرية جامعة. وتم توظيف الأقليات الإثنية والدينية ضمن هذا التشكيل على أساس الامتياز الوظيفي والحماية السياسية، وهو ما أدى إلى خلق مسافة نفسية واجتماعية بينها وبين البيئة الوطنية المحيطة بها، وأسهم في ترسيخ صورة القوة المنفصلة عن المجتمع، الأمر الذي انعكس لاحقًا في الذاكرة الجمعية بوصف الليفي أداة خارجية وليست مؤسسة وطنية.
أدت قوات الليفي أدوارًا تجاوزت الجانب الأمني التقليدي لتشمل وظائف استخبارية وعسكرية داخلية استهدفت ضبط المجتمع وقمع الحركات الوطنية وتأمين المصالح البريطانية الحيوية، وخصوصًا القواعد الجوية والمنشآت الاستراتيجية. ومع الوقت تحولت هذه القوة إلى عنصر ضغط دائم على مشروع بناء الجيش العراقي، حيث وُجدت قوة مسلحة موازية تعمل خارج وزارة الدفاع وتستمد شرعيتها من الخارج، وهو واقع مثّل اختلالًا بنيويًا في مفهوم السيادة والأمن الوطني.
وعند إسقاط هذه التجربة على الواقع الإقليمي المعاصر تظهر أوجه تشابه واضحة مع نماذج الجيوش الموازية التي تشكلت تحت عناوين مختلفة، ومن أبرزها قوات سوريا الديمقراطية التي نشأت في ظل فراغ الدولة وتحت مظلة دعم دولي مباشر. فهذه القوات، رغم اختلاف السياق السياسي، تقوم على منطق مشابه يتمثل في إنشاء قوة محلية مسلحة ذات ولاء خاص وعقيدة مستقلة تعمل خارج إطار الجيش الوطني، وتتحول تدريجيًا من أداة مرحلية إلى كيان دائم يفرض معادلات سياسية وأمنية جديدة.
ويكشف مسار هذه النماذج أن وجود قوى مسلحة خارج الدولة يؤدي بالضرورة إلى تآكل القرار السيادي وتعدد مراكز القوة وتعطيل عملية بناء المؤسسات الوطنية. وتجارب ليبيا واليمن والسودان تقدم شواهد حية على الكلفة الباهظة لشرعنة السلاح خارج الإطار الرسمي، حيث قادت محاولات الدمج غير المنضبطة إلى تفكك المنظومة الأمنية وتصاعد النزاعات الداخلية وتحول الدولة إلى ساحة صراع مفتوح بين مشاريع متنافسة.
وفي المقابل، تبرز التجربة العراقية لاحقًا بوصفها مثالًا على قدرة الدولة على استعادة توازنها حين اتجهت نحو حل القوى الموازية وحصر السلاح بيد المؤسسة العسكرية الرسمية وبناء جيش وطني يقوم على الانتماء للدولة لا للولاءات الفرعية. وقد أسهم هذا الخيار في ترسيخ الجيش العراقي كرمز للسيادة ووحدة القرار، ورسّخ في الوعي السياسي أن الأمن لا يُبنى عبر التعدد المسلح وإنما عبر مؤسسة واحدة تخضع للدستور والقانون.
إن استحضار تجربة قوات الليفي في هذه المرحلة ليس استدعاءً للماضي بقدر ما هو تحذير استراتيجي من إعادة إنتاج الأخطاء ذاتها تحت مسميات مختلفة. فالتاريخ، حين يُقرأ بوعي، يكشف أن أي مشروع أمني يتجاوز الدولة يحمل في داخله بذور التفكك مهما بدت دوافعه آنية أو مبرراته واقعية. والطريق نحو الاستقرار في دول المنطقة يمر حتمًا عبر جيش وطني مهني موحد، يحتكر استخدام القوة، ويجسد الإرادة السيادية، ويشكل الضمانة الحقيقية لوحدة الدولة واستمرارها.





