الشرق الأوسط يتعامل مع المتغيّر الإيراني

إلهام لي تشاو

تشهد إيران في الآونة الأخيرة حالة من الاضطراب الداخلي المتواصل، وهي تطورات باتت العديد من دول الشرق الأوسط تنظر إليها باعتبارها متغيرا ينبغي التعامل معه وإدارته، لا مجرد شأن داخلي عابر. فالتداخل بين التوترات الداخلية والضغوط الخارجية يمنح هذا المتغير قابلية واضحة للامتداد خارج الحدود الإيرانية، ويفرض على دول الجوار حساباته ضمن معادلات الأمن الإقليمي.

من منظور إقليمي، لا تكمن خطورة الوضع في حجم الاحتجاجات بحد ذاته، بل في السياق الذي تجري فيه. فعندما يتزامن عدم الاستقرار الداخلي مع تصعيد سياسي وإعلامي وعقابي من الخارج، تصبح خيارات الدولة المعنية أكثر ضيقا، وتزداد احتمالات انتقال التوتر من الداخل إلى الإقليم. هذه معادلة مألوفة في تاريخ الشرق الأوسط، حيث غالبا ما تتحول الأزمات الوطنية إلى مصادر اضطراب إقليمي.

التجربة تشير إلى أن الدول التي تواجه ضغوطا داخلية حادة تميل، في كثير من الأحيان، إلى إعادة ترتيب أولوياتها الخارجية. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الأمن في مقدمة الحسابات، وقد تتحول السياسة الخارجية إلى أداة لاحتواء الداخل أو لإعادة رسم خطوط الردع. هذا السلوك لا يرتبط بطبيعة أيديولوجية محددة، بل بمنطق إدارة الأزمات في بيئات مضطربة.

في المقابل، فإن طريقة تعامل القوى الخارجية مع هذه الأوضاع تلعب دورا حاسما في تحديد مسارها. فالتصعيد المتزامن، سواء عبر العقوبات أو الخطاب السياسي أو التهديدات غير المباشرة، لا يؤدي بالضرورة إلى التهدئة. على العكس، قد يرسخ الشعور بالحصار، ويزيد من تصلب المواقف، ويحول الأزمة من مسألة داخلية قابلة للاحتواء إلى ملف صدامي مفتوح.

بالنسبة للدول العربية، لا يتمحور القلق الأساسي حول مستقبل المشهد الداخلي الإيراني، بل حول التداعيات الإقليمية المحتملة. فاستقرار الخليج وأمن الممرات البحرية وحساسية أسواق الطاقة، كلها عناصر تجعل أي تصعيد غير محسوب عبئا جماعيا. كما أن تصاعد التوتر قد يفتح المجال أمام أطراف غير دولية لتوسيع هامش تحركها، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني.

لهذا السبب، تميل غالبية الدول العربية في المرحلة الراهنة إلى مقاربة تقوم على خفض المخاطر بدلا من تعظيم المكاسب السياسية. فالأولوية لا تتمثل في الانخراط في استقطابات حادة أو في إعادة إنتاج منطق المحاور، بل في منع انتقال الأزمة وتطويق آثارها المحتملة. ويترجم ذلك في السعي إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، وتفادي الخطاب التصعيدي، والعمل على إبقاء التوتر ضمن حدود يمكن التحكم بها.

هذه المقاربة لا تعكس حيادا سلبيا ولا غياب موقف، بل قراءة واقعية لمعادلة إقليمية معقدة. ففي بيئة تتراكم فيها مصادر عدم الاستقرار، يصبح أي تصعيد إضافي عاملا مضاعفا للمخاطر. ومن هنا، فإن المرونة الدبلوماسية، وتعدد الشراكات، والقدرة على المناورة، تتحول إلى أدوات أساسية لحماية الاستقرار الوطني.

في المحصلة، فإن التطورات في إيران أعادت إلى الواجهة حقيقة طالما عرفها الشرق الأوسط: الأزمات نادرا ما تبقى محصورة داخل حدودها. وما يواجهه الإقليم اليوم ليس أزمة واحدة، بل مجموعة متغيرات متداخلة تتطلب إدارة دقيقة، لا ردود فعل انفعالية. وبينما تتعامل كل دولة مع حساباتها الخاصة، يبدو أن القاسم المشترك يتمثل في السعي إلى احتواء المتغير الإيراني ومنع تحوله إلى عامل انفجار إقليمي واسع.

بهذا المعنى، فإن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم هو محاولة جماعية لضبط الإيقاع في مرحلة شديدة الحساسية، حيث باتت إدارة المتغيرات أهم من السعي إلى حسمها، وأصبحت البراغماتية السياسية شرطا أساسيا للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في إقليم مثقل بالتحديات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى