الكروموسوم الإضافي.. طاقة حب في قلب التشريع الأردني

بقلم: عبد الكريم الشنون
مستشار جودة الحياة والتمكين الاجتماعي

تُعد قضية الأشخاص ذوي الإعاقة في المملكة الأردنية الهاشمية أحد أهم ملفات التنمية والتمكين الاجتماعي، فهي لم تعد مجرد ملف رعائي تقليدي، بل تحولت إلى قضية حقوقية وطنية بامتياز. ومن خلال تجربتي السابقة كعضو هيئة إدارية وأمين سر في جمعية “الهدب” لرعاية متلازمة داون، تشكلت لدي رؤية عميقة حول كيفية تحول المؤسسات المتخصصة من “مراكز تقديم خدمة” إلى “منارات” تصيغ مستقبل أبنائنا من فئة “داون سندروم”.

إن قراءة الواقع تبدأ من لغة الأرقام؛ إذ تشير الإحصائيات الرسمية في الأردن إلى أن نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة تقارب 11.2% من إجمالي السكان. وفيما يخص متلازمة داون، تشير التقديرات العالمية والمحلية إلى ولادة حالة واحدة لكل 600 إلى 1000 مولود حي، مما يعني وجود آلاف الأسر التي تحتاج إلى منظومة دعم متكاملة تبدأ من التدخل المبكر لتصل إلى الدمج المجتمعي والمهني الشامل.
التشريع والميدان: “نكتب التغيير معاً”
لقد كان لي شرف المشاركة مؤخراً في الجلسة النقاشية الهامة التي نظمتها رئيسة وأعضاء لجنة الأشخاص ذوي الإعاقة في مجلس الأعيان بعنوان “نكتب التغيير معاً”. هذه الجلسة، التي عُقدت بالشراكة مع جمعية “أنا إنسان لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة”، كانت منصة حيوية لمناقشة قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 20 لسنة 2017.
إن هذه اللقاءات، التي تقودها قامات وطنية فاعلة مثل سعادة العين آسيا ياغي، تمثل الجسر الحقيقي بين النص القانوني والواقع الميداني. فقد أكدنا خلال النقاش أن تفعيل بنود هذا القانون هو الضمانة الأكيدة لجودة الحياة وتذليل العقبات البيئية والسلوكية التي قد تحد من طموح أبنائنا وإبداعاتهم.
جمعية “الهدب”: نموذج للعمل التفاعلي
خلال سنوات عملي السابقة في جمعية “الهدب”، عاينتُ كيف يترجم العمل المؤسسي هذه القوانين إلى واقع ملموس من خلال مسارات عدة:
• الأنشطة المنهجية: التي تستهدف تنمية القدرات الإدراكية والحركية ورفع مستوى الذكاء الاجتماعي.
• المخيمات التأهيلية: التي تُعد علامة فارقة في بناء استقلالية الطفل؛ حيث تمنحهم الفرصة لتجربة الاعتماد على الذات في بيئة محفزة تعزز من ثقتهم بأنفسهم بعيداً عن “الحماية الزائدة”.
الأسرة: الشريك الأول والأساس
أؤكد دائماً أن الأهل هم المحرك الأساسي لأي عملية تمكين، فالدولة والجمعيات يقدمون الأدوات، لكن المنزل هو المختبر الحقيقي للنمو. إن دور الأهل يتجاوز الرعاية اليومية إلى:
1. الوعي الحقوقي: المطالبة بالمكتسبات التي كفلها القانون رقم 20 لسنة 2017 ومتابعة تطبيقها.
2. الإيمان بالقدرات: فالدمج الحقيقي يبدأ من تقبل الأسرة وفخرها بابنها، وهو ما ينعكس مباشرة على تقبل المجتمع له.

إن الارتقاء بجودة الحياة لأبنائنا من متلازمة داون هو ثمرة تكامل بين التشريع الحصيف الذي يطبخ في أروقة مجلس الأعيان، والعمل الميداني الدؤوب في الجمعيات المتخصصة، والوعي الأسري. إن تضافر هذه الجهود هو السبيل الوحيد لتحويل “الكروموسوم الإضافي” من تحدٍ إلى قصة نجاح وطنية نفخر بها جميعاً في أردننا العزيز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى