مجلس سلام أم مشروع تجاري؟

إلهام لي تشاو

منذ أن دفعت الولايات المتحدة باتجاه إنشاء ما يعرف بـ مجلس السلام الخاص بغزة، لم يكن الجدل الأول في الأوساط الإقليمية والدولية منصبا على الترتيبات الأمنية أو المسار السياسي، بل على الطابع التجاري المتزايد لهذه الآلية. فقد أشارت وسائل إعلام ومحللون إلى أن تركيبة المجلس وطريقة التفكير التي تحكم عمله تحمل بصمات واضحة لعالم العقارات ورأس المال، ما دفع إلى التساؤل عما إذا كانت القضية تدار كـمشروع إعادة إعمار تجاري أكثر منها لمحاولة حقيقية لمعالجة نزاع سياسي معقد. هذا التشكيك، بغض النظر عن حدته، أصاب جوهر القلق العربي: هل الهدف هو تحقيق السلام، أم تنظيم المشاريع وتوزيع المكاسب؟
التجربة الأميركية في إدارة الأزمات الإقليمية تظهر ميلا ثابتا إلى إنشاء المجالس والآليات قبل حسم المسارات السياسية. فوجود مجلس أو إطار تنسيقي لا يعني بالضرورة الاقتراب من الحل، بل غالبا ما يكون وسيلة لإعادة تعريف المشكلة والتحكم في إيقاعها. من خلال مجلس السلام، يمكن للجهة المبادِرة أن تمسك بمفاتيح تحديد الأولويات، وأن تدير تدفق الموارد، من دون أن تتحمل وحدها كامل كلفة التنفيذ أو المخاطر السياسية والأمنية.
غير أن هذا المنطق يواجه في الشرق الأوسط حساسية مختلفة تماما. فالدول المعنية لا تسأل أولا عن اسم المجلس أو عدد أعضائه، بل عن سؤال مباشر وحاسم: من سينفذ الأمور؟ فالخبرة المتراكمة في المنطقة تظهر أن الفجوة الحقيقية تظهر عند الانتقال من الإعلان إلى التطبيق. الأمن على الأرض، واستمرارية التمويل، وإدارة المخاطر، كلها عناصر لا تحسم في البيانات، بل في ترتيبات واضحة للمسؤولية والسلطة.
هنا يبرز ما يمكن وصفه بقلق التنفيذ. أولا، مسألة حدود المسؤولية: إذا انهار وقف إطلاق النار أو تعطلت عمليات الإغاثة، من يتحمل العواقب السياسية والأمنية؟ ثانيا، التمويل والزمن: إعادة الإعمار ليست حملة قصيرة الأمد، بل التزام طويل، فهل الموارد مضمونة أم ظرفية؟ ثالثا، المسار السياسي: هل يعالج مجلس السلام جذور الصراع أم يكتفي بإدارة نتائجه وتأجيل استحقاقات الحل؟
في هذا السياق، تصبح مسألة تجارية لإعادة الإعمار أكثر من مجرد سجال إعلامي. فالمنطقة تدرك تماما أن منطق المشاريع قد ينجح في تحقيق عوائد، لكنه لا يستطيع وحده تحمل تبعات القرارات السياسية أو إدارة المخاطر الأمنية. الأصول يمكن تحويلها إلى أرقام، لكن المسؤولية لا يمكن خصخصتها. من يسيطر على مدخل المشاريع، ومن يقرر اتجاه التمويل، ومن يتحمل المخاطر على الأرض، هي الأسئلة التي تحدد مصير أي مبادرة.
لذلك، يتسم الموقف العربي بالحذر لا بالرفض المبدئي. فالدول العربية ليست ضد إعادة الإعمار ولا ضد المشاركة الدولية، لكنها تشترط وضوح الصلاحيات، وتوازن المسؤوليات، واحترام الشرعية السياسية. أي مجلس سلام يتجنب الإجابة عن هذه القضايا، مهما كان خطابه جذابا، سيواجه شكوكا متزايدة.
في المحصلة، ليست المشكلة في وجود مجلس أو غيابه، بل في طبيعة الدور الذي يؤديه. فالسلام لا يبنى بالمسميات، والإعمار لا يمكن أن يكون بديلا عن السياسة. وإذا تحولت معالجة النزاع إلى ملف استثماري، ستبقى الشكوك قائمة، لأن الاستقرار الحقيقي لا يقاس بعوائد المشاريع، بل بقدرة الترتيبات على تحمل المسؤولية.
في الشرق الأوسط، يمكن اقتراح المجالس والآليات، لكن ما يمنحها القبول هو شيء واحد: تنفيذ واضح، ومسؤولية لا يمكن التهرب منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى