كمال ميرزا: بين السخرية العميقة والوعي الاجتماعي… حوار حول ‘الحلزونة’ وفن مواجهة الذات والمجتمع”

في المشهد الأدبي الأردني المعاصر، يبرز اسم كمال ميرزا كواحد من الأقلام الساخرة الحادة والمتمردة، التي تجمع بين عمق الرؤية الاجتماعية والخفة الساخرة اللاذعة. ومن أبرز أعماله الإبداعية مجموعته القصصية “الحلزونة”، التي شكّلت إحدى المحطات المهمة في مسيرته الأدبية، حيث استطاع من خلالها أن ينسج عالماً سردياً يجمع بين الواقعية المرّة والرمزية الدقيقة، مع لمسة ساخرة تميّز أسلوبه الخاص.
تبارك الياسين تحاور الكاتب كمال ميرزا
نلمس في القصص شعوراً بالعزلة والاغتراب؛ هل هذا انعكاس لتجربة شخصية أم قراءة للواقع العام؟
لا يوجد تجربة شخصيّة بمعزل عن الواقع العام، والواقع العام ليس كياناً صُوْرِيّاً مُجرّداً له وجوده المستقل ووعيه المستقل وإرادته المستقلة بمعزل عن حصيلة تجارب البشر الذين يشكّلونه.
وعموماً، لا أرى أنّ العزلة والاغتراب هما الإحساسان الطاغيان فيما أكتب بمقدار ما أنّه الإنكار، وهذه هي الغاية الأساسية من الكتابة لدي؛ فالقارئ، والبشر عموماً، يعرفون ما ينبغي عليهم أن يعرفوه من حيث الصواب والخطأ، أو على الأقل الحدّ الأدنى ممّا ينبغي عليهم أن يعرفوه، ولكنّهم، بوعي أو دون وعي، لا يريدون الإقرار بذلك، وتحمّل المسؤولية الأخلاقيّة والاجتماعيّة المترتبة جرّاء ذلك، لذا هم يلجؤون إلى شتى الوسائل والأساليب لخداع أنفسهم أو نفاقها ليبرروا نزعتهم المزمنة للتنصّل من المسؤولية.
“الدراميّة” المُفرِطة و”الاحتداميّة” المُفتعَلَة كما يمكن أن تتبدّيا من خلال كلمات مثل العُزلة والاغتراب والمعاناة وغيرها من المُفردات الشبيهة، هي في كثير من الأحيان من وسائل الخداع والنفاق النفسيّين، وضرب من “التطهّر” الذي يُتيح للمرء إسكات الصوت الذي لا يهدأ داخله ولو إلى حين، وتفريغ شيء من إحساسه بالتناقض والإقرار بالذنب (ليستْ عقدة ذنب) بما يمكنّه من استقبال المزيد من التناقضات واستيعابها والتواطؤ معها والاستمرار بالعيش وكأن شيئاً لم يحدث أو لا يحدث ما بين جولة تطهّر وأخرى.
زرع المسؤولية بذقن “الكيانات الصوريّة” الكبرى هي وسيلة أخرى لخداع النفس ونفاقها مثل: المجتمع، الدولة، الاقتصاد، السوق.. الخ، وتناسي أنّ هذه جميعها مجرد كلمات تُعبّر عن ظواهر إنسانيّة بعينها، وأنّ وراء أنماط العلاقات والمُمارسات والسلوك التي تنضوي عليها هذه الظواهر بشراً حقيقيّين من لحم ودم لديهم وعي ما أيّاً كان هذا الوعي، وإرادة حرّة بغض النظر إلى أي مدى يتمسّكون بهذه الإرادة، أو يتنازلون عنها، أو يعطّلونها.
عندما نقول “ارتفعتْ الأسعار” فإنّ الأسعار فعليّاً لم ترفع نفسها، هناك بشر من لحم ودم هم مَن قرروا رفعها، وهم الذين يتحمّلون، يُفترض، مسؤوليّة ووزّر قرارهم. وعندما نقول “مصلحة الدولة العليا” ففعليّاً نحن نتحدّث عن المصلحة كما يراها أشخاص بعينهم، يقرّرونها، ويفرضونها، ثم يصوّرون ذلك وكأنّه نتاج وعي مستقلّ ومتجاوز.
وحتى عندما “يستفلس” الأشخاص ويعدمون وسيلة للتنصّل والتواطؤ، هم لا يتوانون عن الإلقاء باللائمة والمسؤولية على الله تعالى من خلال إظهار إيمان هو في جوهره مشوّه ومُحرّف وكاذب بقدرة الله ومشيئته وقضائه وقدره!
هل ترى أنّ “الحلزونة” مجموعة عن الإنسان المهزوم أم عن إنسان يقاوم بطريقته الخاصة؟
أولاً: مجموعتي القصصيّة “الحلزونة” شأنها شأن كلّ ما أكتب هي “إلى” وليست “عن”؛ فأنا أكتب ما أكتب متوجّهاً إلى قارئ. وثانياً: هذا القارئ الذي أكتب متوجّها إليه ليس بالمهزوم، وليس بالذي يقاوم، مشكلة هذا القارئ الأساسيّة ومشكلتي معه هي الإنكار، وأنا، بقصديّة لا أنكرها، وخباثة لا أدّعي البراءة منها، أسعى لسلب القارئ إنكاره هذا، أو على الأقل تضييق هامشه ما أمكن، أو التنغيص عليه بينما يفعل ذلك.
ما علاقة الصمت في قصصك بالكلام؟ ولماذا يبدو الصمت أحياناً أبلغ من الحوار؟
الصمت، فعليّاً، في سياق القَصّ، يأتي غالباً في ثلاثة مواضع: إمّا صمتُ الشخصيّة/ الشخصيات لإفساح المجال لـ “المونولوج الداخليّ”، والذي إمّا أن يكتبه القاصُّ أيضاً، فإنْ لم يكتبه، قام القارئ بملء الفراغ بنفسه. وإمّا صمتُ الحدث، وهنا القارئ حصْراً هو الذي يتولّى استكمال الحدث وإنطاقه بما يريد من وقائع وأحداث وحيثيّات. وإمّا صمتُ النهاية حين لا يقوم القاصُّ بطرح “حلّ” معيّن لأنه لا يدري أو لا يريد، وهنا أيضاً القارئ هو مَن يُكمِل الفراغ.
لهذا يبدو الصمت أحياناً، بل غالباً، أبلغ من الحوار، لأنّه فعليّاً زاخر بالحوار ومزدحم به، ولكنّه حوار القارئ وأفكاره وتداعياته بل وجدله بينه وبين نفسه.
هل ترى القصة القصيرة الساخرة أداة فعّالة لمواجهة الخرافات والخزعبلات في المجتمع كما تناولت في بعض نصوصك؟
الكتابة عموماً، أدبيّة أو غير أدبيّة، قصّة أو غير قصّة، ساخرة أو غير ساخرة، هي أداة محدودة التأثير في صياغة الوعي و/أو أعادة تشكيله وتوجيهه، وأثرها بهذا الخصوص – إن ترتبَ عليها أثر – فرديّ لا جَمعيّ قياساً بأدوات أخرى لتشكيل الوعي، مثل الغرس الثقافيّ الذي تمارسه التنشئة الاجتماعيّة منذ اللحظة الأولى لولادة الإنسان، أو وسائل الإعلام بمفهومها الواسع، أو المناهج الدراسيّة ابتداء من رياض الأطفال صعوداً.
كما أنّ القارئ في العادة يلج عالم القراءة الحرّة الإراديّة في سنٍّ كبيرة نسبيّاً، أي بعد أن يكون وعيه قد شُكّل وأُطّر وأرسيتْ مقولاته وتوجّهاته الأساسيّة – وإن كان لم يمتلئ تماماً بالمحتوى بعد. وفي مثل هذه السنَّ الكبيرة من الصعب أن تُحدث من خلال الكتابة وحدها أو الكتابة فقط خروقات كبرى أو تغييرات جذريّة في وعي الإنسان.
هذا الكلام لا يعنّى ألّا يقوم الكاتب بمواجهة “الخرافات” و”الخزعبلات”، أو أيّة أفكار أو مظاهر أو أنماط من السلوك يراها – وفقاً لمعتقداته وقناعاته – خاطئة أو سلبيّة أو هدّامة في مجتمعه.. ولكنّه يقوم بذلك انطلاقاً من المسؤوليّة المُلقاة على عاتقه، ووفاء بهذه المسؤولية، وبَرَّاً بها، شأنّه في ذلك شأن أيّ شخص آخر في المجتمع من موقعه، وبغض النظر عن الأثر النهائيّ والنتيجة النهائيّة.
كما أنّ مفهوم “الأثر” في حدّ ذاته “تراكميّ”، ولا يحدث بين ليلة وضحاها، وغالبيّة الكتّاب الذين يمكن أن نصفهم بالمؤثّرين قد أثّروا في الأجيال اللاحقة أكثر ممّا استطاعوا إحداث تأثير في أبناء جيلهم. وطبعاً نحن هنا نتحدث عن الأثر الحقيقيّ الأصيل والنزيه الذي “يمكث في الأرض”، ولا نتحدث عن “الزبد” الذي يُفرض فرضاً بسيف السلطة، سواء السلطة بمعناها السياسيّ المباشر من خلال الكتّاب الذين تتبناهم المؤسسات والأجهزة، وتدعمهم، وترفدهم، وتمكّنهم، وتحشرهم حشراً في أنوف القرّاء والجمهور.. أو السلطة بمعناها الواسع كسلطة “الصناعات الثقافيّة”، وسلطة السوق.
ما رأيك في دور الكتابة في زمن الأزمات السياسية والاجتماعيّة التي يعيشها العالم العربي؟
كما قلتُ: الكتابة بما هي كتابة محدودة وضيقة الأثر، أو مبالغ في تقدير أثرها. ولكن في الوقت نفسه على الكاتب أن يكتب، ولا عذر لديه للتنصّل، انطلاقاً من المسؤوليّة الملقاة على عاتقه كإنسان في المقام الأول، وكعضو في المجتمع في المقام الثاني، ثمّ ككاتب وعضو في مجتمع الكتابة والكتّاب في المقام الثالث.
ومن المهم هنا مراعاة نقطة أساسيّة وحرجة هي أنّ “عدم الكتابة” من منظور المسؤوليّة قد يكون أحياناً قمة الكتابة، وذروة الكتابة، وأفضل من أي نصّ يمكن أن تخطّه أنامل الكاتب في يوم من الأيام.. وذلك في الحالات التي يستقرّ فيها يقينه، على أنّ ما سيكتبه، بالمضمون والشكل الذي سيكتبه به، سيصبّ في مصلحة العدو، وسيُجيّر لصالح مكائد ودسائس ومخطّطات.
السياق الذي تحدثُ فيه الكتابة هو جزء لا يتجزّأ من الكتابة نفسها، ولا يجوز للكاتب هنا أن يتغافل أو “يسوق الغشم” كما يقول التعبير الشعبيّ.
في ضوء هذا الفهم فإنّ ما يُطلق عليها “خيانة المثقّفين” لا تقتصر فقط على “صمت المُثقّف في الوقت الذي يجب أن يتكلم فيه”، بل تتعدا ذلك لما هو أخطر: “أن يتحدّث المثقّف عند نقطة معطاة من الزمان والمكان بما لا ينبغي عليه التحدّث فيه”.
هناك صنف ثالث من المثقّفين أنا شخصيّاً اعتبره الأكثر خيانة، والأكثر استثارة للاشمئزاز والقرف: أولئك الذين في الأحداث الكُبرى والمنعطفات الخطيرة يواصلون تمركزهم حول ذواتهم المتضخّمة و”أنواتهم” المريضة، ويستمرّون بمزاولة ترفهم الفكريّ وتهويماتهم الجماليّة ونرجسيّتهم المقيتة وكأنّ شيئاً لم يكن.
هؤلاء خون حتى لو كانوا من خلال ما يكتبونه يستنبطون الحكم ويجترحون الفضائل!
شخصياتك تبدو عادية جداً لكنّها مثقلة داخليّاً.. هل تتعمّد الابتعاد عن البطولة التقليديّة؟
الشخصيات في قصصي هي نماذج تمّت صياغتها من خلال تفكيك واقع ووقائع اجتماعيّة معيّنة، ومن ثم إعادة تركيبها، لتكون هذه الشخصيات حاملاً لمضامين أريد إيصالها للقارئ و/أو مُستثيراً لانفعالات أريد أن استفزها لديه. لذا تبدو شخصياتي عادية ومألوفة بمعنى أنّها ابنة مجتمعها، وابنة الواقع الإنسانيّ والسياق السوسيو – ثقافيّ الذي تعيش فيه.
وهي مُثقلة داخليّاً في الوقت نفسه لأنّ الإنسان بما هو إنسان، والإنسان ككائن اجتماعيّ، هو ظاهرة مركّبة ومتداخلة ومتشابكة ومتعدّدة المستويات والأبعاد، لذا، تحت “عاديّة” الظاهر بشخوصه وأحداثه، تكمن نفسيّاً ومعرفياً طبقات من معاني دلالات وإحالات وأنماط ونماذج كامنة وإجابات صريحة أو مضمرة على الأسئلة الكبرى والنهائيّة المتعلّقة بالوجود.
بالنسبة للبطولة، فما اصطلحنا على تسميته بـ “البطولة”، أو “البطولة التقليديّة” كما في السؤال، أي بطولة القصص والحكايات والأساطير والملاحم والمأثورات غير الموثوقة والتواريخ غير الموثّقة والمسلسلات والأفلام.. هذه البطولة ليست بطولة فعليّاً، بل هي عكس البطولة، وضدّ البطولة، وآخر ما يمكن أن توصف به أنّها بطولة، وأنّها تقليديّة.
هذا بطولة مُخترَعة، مُصنَّعة، مُدَّعاة، ليس احتفاءً بقيم معينة مثل الشجاعة والإقدام والمروءة والتضحية والفداء والحضّ عليها، بل كحيلة أخرى من حيل خداع النفس ونفاقها التي سبقتْ الإشارة إليها: فتصوير البطولة باعتبارها أمراً خارقاً لا يقدر عليه إلّا بشر بمواصفات واستعدادات وقدرات خاصّة، هو بمثابة عذر ضمنيّ نمنحه لأنفسنا للتنصّل من المسؤولية والتخاذل والركون للدعة والراحة والتماس السلامة بذريعة العجز، وبذريعة أين نحن من مثل هؤلاء الأبطال!
بكلمات أخرى، احتفاؤنا بالبطل والبطولة في كثير من الأحيان هو في حقيقته إهانة سافرة بحقّ البطل، ومنتهى التعهير بمفهوم البطولة.
البطولة الحقيقية هي تلك التي يمارسها بشر حقيقيّون من لحم ودم، يعيشون في العالم الحقيقيّ، وفي سياقات اجتماعيّة وثقافيّة وسياسيّة واقتصاديّة حقيقيّة، تُملي عليهم ما تُمليه على سائر البشر من ظروف ومُحدّدات وإلزامات: جنديّ يرفض أن يطلق النار، موظف يرفض أن يضع توقيعه، زميل عمل يرفض أن يشي بزميله، عابر طريق يهرع لإنقاذ طفل غريب سقط في بلّاعة كشفها الفساد والترهّل والتخبّط، أرملة تجري على أيتام وتتعفّف عن الصدقة ولا تأكل بثدييها رغم إغراء العروض والوعود.. الخ.
وهؤلاء، إن كانوا قادرين على القيام بما يقومون به، فنحن جميعاً، بالمثل، ملزمو الحُجّة، وقادرون، يُفتَرَض، على اجتراح البطولة، كلٌّ من موقعه وفي حدود استطاعته، لو توفّرتْ النيّة الصادقة والإخلاص.
أهل غزّة هم مثال فوق العادة على البطولة الحقيقيّة، بل لعلّهم المثال الأشدّ وضوحاً والأكثر إفحاماً عبر التاريخ الذي نعرفه، بما يفوق حتى الصحابة والسلف الصالح.. ولكنّهم أيضاً مثال على نزعة الأسطرة من خلال الحفاوة الزائدة والزائفة تمهيداً لإعطاء النفس فسحة للتنصّل، ولو كانتْ الحفاوة حقيقيّة ومخلصة لحاولنا نصرتهم واسنادهم ومجاراتهم ولو بالحدّ الأدنى، مرةً أخرى، كلّ شخص من موقعه، وفي حدود استطاعته، استطاعته الحقيقيّة وليس تلك التي يكذب بها على نفسه وعلى الآخرين.
هل أبطال الحلزونة ضحايا الواقع أم شركاء في صنع عزلتهم؟
كما أسلفت، شخصيات قصصيّ هي نماذج فُكّكتْ ورُكّبتْ لتكون حاملاً لمضامين ومستثيراً لانفعالات، لا لتكون غاية نفسها، وكيانات صوريّة نستعيض بها عن الواقع الحقيقيّ أو نهرب منه عبرها. والواقع هو حصيلة جَمْعيّة وتشاركيّة لإرادات وخيارات البشر المنخرطين فيه كلٌّ من موقعه. وفرق كبير بين كلمات مثل “الضحية” و”العزلة” و”الاغتراب” كتوصيفٍ لواقع حال معيّن أو مظاهر معيّنة.. وأن تكون هذه الكلمات بمثابة “ديباجات” و”لطمّيات” و”اعتذاريّات” مُعلّبة وجاهزة نستخدمها لنمنح أنفسنا ذريعة للتنصّل من المسؤولية والتحلّل منها.
إلى أي مدى تمنح شخصياتك فرصة للخلاص؟
مرّة أخرى، أنا لستُ معنيّاً بما تُسمّى “شخصياتي” بمقدار ما أنا معنيّ بالقرّاء الذين أتوجه إليهم. وهؤلاء القرّاء، في نهاية المطاف، يمتلكون إزاء كتاباتي كامل الحرية ليقولوا ما يشاؤون ويفعلوا ما يشاؤون، وجلّ ما أصبو إليه هنا هو أنّ أعرّيهم وأعرّيني معهم أمام أنفسنا بالصورة التي أرى أنّه يجب أن نُعرّى فيها، وأن أنغّص علينا جميعاً انتشاءنا بذكائنا وحذقنا وبراعتنا في الكذب على أنفسنا والتماسنا الأعذار لها. وبهذا المعنى يغدو الخلاص “تخلُّصَاً” من الكذب والنفاق، وليس “مصيراً” مُعيّناً أدّعي ككاتب من خلال الكتابة كفعل “تأليه للذات” أنّني أمتلك مفاتحه أو أمتلك الحقّ بأن أقسر رقاب الناس عليه.
لغتك تميل إلى التكثيف والهدوء، هل هذا خيار جماليّ أم ضرورة تفرضها الفكرة؟
الثرثرة في الأدب غير محمودة حتى لو كانت جميلة، والذين يثرثرون عادةً يفعلون ذلك لأنّهم لا يمتلكون شيئاً معيّناً ليقولوه، أو لأن الرؤيا لديهم ما تزال ملتبسة وغير متبلورة، أو لأنّ جلّ ما يعنيهم هو فرد عضلاتهم واستعراض قدراتهم اللغوية والتعبيريّة.
لغتي مكثّفة لأنّها تحاول النفاذ إلى العمق حيث النموذج الكامن والدلالة الحقيقيّة والمعنى النهائيّ، والعمق بطبيعته كثيف. وبالمثل، لغتي هادئة لأنّ الصخب ليس على السطح، حتى لو كان متوتراً ومضرباً، بل الصخب الحقيقيّ في العمق مصدر التوتر والاضطراب.
ولغتي ليست خياراً جماليّاً تماماً أو ضرورةً تماماً بمقدار ما أنّها بين البينين؛ فغايتي من الكتابة، ومحاولتي التوجّه إلى القطاع الأكبر من القرّاء، وليس فقط تلك الفئة الحصريّة “المُترفة” التي تُسمّى “متذوقي الأدب”.. هذا عاملان يُمليان عليّ مقداراً من المُباشرَة والتخفّف من جماليات اللغة الأدبيّة المعتادة، وهو ما ينعكس سلباً أحياناً على “برستيجي” ككاتب، خصوصاً عندما يتفاخر الكتّاب فيما بينهم و”يتعارطون”/ ولكنّه ثمن لا مفرّ من دفعه!
وفي المقابل، الجماليّات الزائدة، أو الجماليّات في غير مكانها، هي ليس جماليات، بل هي شيء قبيح ومذموم.
بكل الأحوال، يستطيع قارئ قصصي أن يتلمّس بسهولة أنّني أتعمّد من حين لآخر رمي عبارة هنا أو دسّ عبارة هناك تشي بأنّني قادر، لو نويت، على الكتابة بلغة الأدب الاعتياديّة، ولكنّني لا أفعل ذلك كخيار واعٍ ومقصود، وليس من قبيل العجز أو ضمور العضلات!
كيف توازن بين الإيحاء والغموض حتى لا ينقطع القارئ عن النص؟
في العادة يُترك مثل هذا الأمر لإحساس الكاتب وحدسه: هل يشعر أنّ ما كتبه، بالشكل الذي كتبه فيه، مناسب، ويقول ما كلّ يريد أن يقوله، ويوصل كلّ ما يريد إيصاله.. أم لا؟!
بالنسبة لي شخصيّاً أنا لا أتعمّد الغموض في كتاباتي، ولا أجد في كلّ قصصي ما يمكن أن يوصَف بالغموض، ولا حتى من قبيل “سقط سهواً”، بل بالعكس، أحياناً أُتهم أنّ ما أكتبه مباشر وواضح “زيادة عن اللزوم”!
أمّا الإيحاء فأنا استخدمه وأوظّفه كثيراً في قصصي، وأظن أنّني أجيد ذلك إلى حدّ كبير، وذلك في ضوء الدرس العمليّ الذي تعلمته مبكراً جداً، وتحديداً في مجموعتي الأولى “عبودة”، وفي قصة “عبودة” التي منحتْ المجموعة اسمها، ومنحتني الثقة لتقديم نفسي للقرّاء كقاص “ملو هدومو” كما يُقال.
في هذه القصة كان هناك “مشهد جنسيّ” إذا جاز التعبير بين “عبودة” الفتى اليافع وجارتهم المتزوجة التي تكبره كثيراً في السن؛ وبالفعل، في النسخة الأولى من القصة قمتُ بكتابة هذا المشهد بالتفصيل المُمِل (أو بالأحرى غير المُمِل!). ولكن عند المراجعة سألتُ نفسي: ما الغاية التي تخدمها هذه التفاصيل؟ ماذا تُقدّم أو تُؤخّر في مجرى القّصّ؟! أو في الدلالة المُراد إيصالها؟! والجواب ببساطة كان: لا شيء – إلّا ربما بيان إلى أي مدى يمكن لخيالي أن يكون ماجناً وللا-وعيي أن يكون مكبوتاً!
وعليه، فقد قمتُ بشطب هذه التفاصيل كلّها، واستعضتُ عنها بثلاث جمل قصيرة: فُتح الباب، سُحب “عبودة” إلى الداخل، أُغلق الباب.. والباقي متروك لخيال القارئ و”ضميره”!
المفارقة أنّ هذا المقطع هو من أكثر المقاطع التي توقّف عندها الذين قرؤوا المجموعة من الأهل والأصدقاء والمعارف، واتهموني بالإباحية وقلّة الحياء والأدب؛ مع أنّني لم أقلْ شيئاً، ولم أورد أيّة تفاصيل، وكنتُ أتحرّج من الردّ عليهم أن جميع ما رأيتموه وراء الباب المغلق وأسقطتموه عليّ أنا هو فعليّاً وليد خيالكم الماجن أو السافر أو الهائج أو المتهتك أو المهووس أو المُحبط أو المكبوت.. وأنا ونصّي لا ذنب لنا!
هذا كان درساً فوق العادة بالنسبة لي ككاتب حول قوة الإيحاء، وكيف أنّ عبارة موحية واحدة يمكن أن تكون أهم وأقوى من صفحات كاملة تثرثر!
للفائدة، يمكن أن أُجمل هذا الدرس بما يلي: أينما في نصّك شعرتَ أنّ التفاصيل يمكن أن يملأها خيالُ القارئ، أو أن تفاصيلك لا تستطيع أن تتفوّق على خيال القارئ.. فدع الأمر لخيال القارئ!
هذا يورّط القارئ أكثر، ويُصعّب عليه التملّص لاحقاً، أو تفادي الصفعة التي تضمرها له دون أن يدري!
هل تؤمن أنّ القصة القصيرة يجب أن تترك سؤالاً أكثر ممّا تقدّم إجابة؟
لا هذا ولا ذاك، وفي الوقت نفسه شيء من هذا وشيء من ذاك!
فنعم، القصة القصيرة الناجحة يجب تستثير لدى القارئ سؤالاً، ولكن ليس سؤالاً لا يعرفه أو لم يتبادر إلى ذهنه من قبل، بل السؤال الذي يتهرّب من طرحه على نفسه، ومواجهته، والوقوف أمامه عارياً!
وبالمثل، الإجابة التي تحاول القصّة القصيرة أن تعطيها، أو بالأحرى تجلبها للسطح، هي الإجابة التي يتهرّب منها القارئ لا الإجابة التي لا يعرفها!
نبذة تعريفيّة:
كمال ميرزا (زولاق).
ـ من مواليد جرش سنة 1979.
ـ يحمل درجة الدكتوراه في علم الاجتماع – الجامعة الأردنية.
ـ يحمل درجتي ماجستير في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، والإعلام الحديث.
ـ مدرّس جامعيّ سابق صحافة وإعلام وتصوير صحفي.
ـ كاتب سابق في صحف العرب اليوم، الوطن، الهلال، مجلة المستور، وموقعي jo24 ورأي اليوم.
ـ عضو رابطة الكتّاب الأردنيّين.
ـ عضو الجمعيّة الفلسفيّة الأردنيّة.
ـ عضو الجمعية الأردنيّة للتصوير.
ـ لديه أربع مجموعات قصصيّة منشورة: عبودة، أبو العبد، المتجهّم، الحلزونة. ومجموعتان شعريّتان: شريعة الاسمنت، ساعي البريد.





