خماسية البقاء: نحو مجتمع عصي على الانكسار

بقلم: عبد الكريم الشنون
مستشار جودة الحياة والتمكين الاجتماعي

في عالمٍ يتسارع إيقاعه فوق صفيحٍ ساخن من التحولات البيئية والتقلبات الكبرى، لم يعد من الممكن النظر إلى مشكلاتنا كجزرٍ منعزلة؛ فالدراسات الاجتماعية والبيئية الحديثة تؤكد أن التغير المناخي ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل هو ضاغط اجتماعي يولد حالة من “القلق الوجودي” ويؤثر بشكل مباشر على استقرار النفس البشرية. هذا الضغط، إذا لم يُواجه بوعي، يضعف الصحة النفسية للفرد، ويجعله يبحث عن ملاذات للسكينة قد تتحول في غياب التحصين الذاتي إلى دروب وعرة للهروب الزائف عبر آفة المخدرات، التي تبرز اليوم كعرض لخلل في التوازن بين الفرد ومتطلبات عصره.

وهنا تبرز الضرورة القصوى لإعادة تعريف الأدوار القيادية داخل نسيجنا الاجتماعي، حيث يظهر تمكين المرأة ليس فقط كاستحقاق عدلي، بل كضرورة أمنية واجتماعية أثبت العلم أثرها المباشر في خفض معدلات الجريمة. فالمرأة الممكنة معرفياً واقتصادياً تمثل صمام الأمان للأسرة؛ إذ تساهم في رفع مستوى الرقابة الواعية وتوجيه السلوك الناشئ، مما يقلص فرص الانجراف نحو الانحراف أو التعاطي بنسب كبيرة. إن تمكين المرأة يعني بناء خط دفاعي يحمي الأجيال من الهشاشة النفسية، ويحول الطاقات المعطلة إلى قوى فاعلة في بناء المجتمع، مما يحقق توازناً يمنع الجريمة قبل وقوعها عبر سد فجوات الفقر والفراغ.

إن هذا الترابط الوثيق بين سلامة النفس، وقوة الأسرة، ونظافة المجتمع من السموم، هو الوقود الحقيقي لقطار التنمية المستدامة. فالتنمية في جوهرها هي استثمار في “رأس المال البشري”، ولا يمكن بناء مستقبل مستقر بعقول مغيبة أو أنفس محطمة تحت وطأة الضغوط. لذا، تصبح المواطنة الفاعلة هي الحل التشاركي والمختبر الحقيقي للتغيير؛ حيث يدرك الفرد أن دوره لا يقتصر على الاستهلاك، بل يمتد ليكون شريكاً في حماية بيئته، ودعم استقرار جاره النفسي، وتحصين مجتمعه. إن جودة الحياة التي ننشدها هي ثمرة وعينا بأن حماية الأرض، وتمكين الإنسان، ومحاربة السموم الاجتماعية، هي معركة واحدة تهدف لصون كرامة المجتمع وضمان مستقبل آمن للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى