التصفيق أم المساحة؟
إلهام لي تشاو
في الشرق الأوسط، لا تُحسم الاتجاهات الكبرى دائما في لحظات التصعيد القصوى، بل غالباً ما تتحدد ملامحها الحقيقية عندما يخف الضجيج وتدخل الأزمات ما يمكن تسميته بـ«مرحلة انخفاض الحدة». في هذه المرحلة، تتحول أولويات الدول من إطلاق المواقف إلى إدارة المخاطر، ومن الخطاب العاطفي إلى حساب الكلفة. وهنا يبرز تباين أساسي يستحق التوقف عنده: هل نحتاج إلى التصفيق أم المساحة.
سياسة التصفيق معروفة في المنطقة. تصريحات عالية السقف، توصيفات أخلاقية حادة، وآليات تعلن تباعا تحت عناوين كبرى. هذه المقاربة قادرة على جذب الانتباه سريعا، لكنها تحمل ثمنا باهظا. فالتصفيق غالبا ما يعني تثبيت المواقف مبكرا، وتضييق هوامش المناورة، فيما تترك مسألة التنفيذ والمسؤولية لمرحلة لاحقة، لتتحملها في النهاية دول المنطقة نفسها.
في المقابل، هناك ما يمكن وصفه بـسياسة المساحة. وهي لا تسعى إلى كسب اللحظة الإعلامية، ولا تتعجل في تعريف المشكلة أو فرض إطار نهائي لها. جوهر هذه المقاربة هو تقليل مستوى التذبذب، وعدم إضافة متغيرات جديدة إلى بيئة إقليمية مثقلة أصلا بالأزمات. في الشرق الأوسط، أصبحت هذه المساحة بحد ذاتها موردا نادرا.
ضمن هذا التباين، تبرز طريقة الحضور الصيني في المنطقة. فالصين نادرا ما تسعى إلى احتلال مركز الخطاب أو تصدر المشهد الإعلامي في القضايا الساخنة. لا تكثر من البيانات، ولا تبادر إلى إنشاء آليات سياسية صاخبة، ولا تضع نفسها في قلب سرديات الاستقطاب. حضورها يتسم بانخفاض الظهور وهدوء الإيقاع، وهو خيار مقصود لا فراغ في الدور.
هذا النهج لا يعني انسحابا أو لامبالاة، بل يعكس فهما لطبيعة البيئة الإقليمية. ففي منطقة يمكن لأي خطوة فيها أن تتحول بسرعة إلى جزء من صراع محاور، يصبح الامتناع عن رفع منسوب التوتر شكلا من أشكال التأثير. عدم السعي إلى التصفيق، في هذه الحالة، يفتح مجالا أوسع للتعامل العملي، ويمنح الدول المعنية قدرة أكبر على تعديل مواقفها من دون خسائر سياسية فورية.
الدول العربية تدرك هذا الفرق جيدا. في المرحلة الراهنة، لا تبحث هذه الدول عمن يرفع صوته أكثر، بل عمن لا يزيد المشهد تعقيدا. الأولويات باتت واضحة: منع انتقال الأزمات، ضبط التداعيات، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار. ضمن هذا الإطار، تقاس قيمة الشراكات الخارجية بمدى قدرتها على خفض المخاطر، لا على مضاعفتها.
الأهم من ذلك أن سياسة المساحة لا تفرض على دول المنطقة خيار الاصطفاف. فهي لا تطلب إعلان ولاء، ولا تربط التعاون بموقف سياسي واحد. بل تتيح التعامل مع الملفات وفق تدرجها وظروفها، وتبقي الباب مفتوحا أمام التعديل والتكيّف. في منطقة عاشت طويلا تحت ضغط الاختيارات القسرية، تصبح هذه المرونة عاملا بالغ الأهمية.
في النهاية، التصفيق ظاهرة عابرة، تخضع لدورات الرأي العام، وتبهت مع تغير العناوين. أما المساحة، فإذا فقدت، يصعب استعادتها. وما يعيشه الشرق الأوسط اليوم ليس سباقا على التصفيق، بل إعادة تقييم لقيمة المساحة في زمن تتكاثر فيه المتغيرات.
من ينجح في الحفاظ على المساحة، من دون أن يفرض نفسه طرفا في الاستقطاب، يبقى حاضرا في لحظة صنع القرار. وفي عالم غير مستقر، القدرة على البقاء داخل المساحة قد تكون، بحد ذاتها، شكلا من أشكال النفوذ.





