ذهب الأردنيات… من زينة صامتة إلى “أكبر بنك نسائي استثماري” يصنع الثروة وفرص العمل

كتب أ.د. محمد الفرجات

مع ارتفاع أسعار الذهب عالميًا ومحليًا، فإن ما تمتلكه الأردنيات من ذهب ليس مجرد زينة وادخار… بل ثروة وطنية مرشحة للتحول إلى اقتصاد منتج.

واليوم، ومع وصول سعر غرام الذهب عيار 21 إلى نحو 112 دينارًا، فإن القيمة الاقتصادية لهذا المخزون الشعبي أصبحت أكبر بكثير مما يتخيله البعض.

تشير تقديرات متداولة إلى أن متوسط ما تملكه المرأة الأردنية يقارب 150 غرام ذهب عيار 21، ولعدد يقارب 2.5 مليون سيدة.

هذا يعني أننا أمام كتلة ذهب ضخمة جدًا… لكنها خارج دورة الإنتاج، لا تخلق فرص عمل، ولا ترفع دخل الأسرة، ولا تبني شركات.

ومن هنا يأتي السؤال:
كيف نحول “ذهب البيوت” إلى اقتصاد نسائي منتج دون أن نخسر ثقافة الادخار، ودون أن نخاطر بحقوق النساء، ودون أن نفتح باب الاستغلال؟

الإجابة المقترحة: مشروع وطني جديد بعنوان واضح وقوي:
“بنك الذهب الأردني النسائي”
شركة مساهمة عامة… تسيّل جزءًا صغيرًا من الذهب لتُطلق آلاف المشاريع…

الفكرة بسيطة لكنها عبقرية:
نؤسس بنك الذهب الأردني النسائي/شركة مساهمة عامة، تكون ملكيتها للمواطنات عبر أسهم “ذهب”، وتعمل على تحويل جزء محدود من هذا الذهب إلى سيولة تمويلية تُطلق مشاريع نسائية مربحة في كل محافظة.

والأهم: لا نطلب من السيدة أن “تتنازل عن ذهبها كله”.
بل ندعوها إلى المشاركة بسقف آمن ومحترم:
كل سيدة تساهم فقط بـ 10 إلى 15 غرام ذهب كحد أعلى
لا أكثر… حتى تبقى الفكرة عادلة، واسعة الانتشار، ولا تُثقل على أي أسرة.

إذا شاركت فقط مليون سيدة (وهو رقم قابل للتحقق على مستوى وطني)، وبمعدل 10 غرام لكل سيدة:
فنحن نتحدث عن 10 ملايين غرام من الذهب.

أي ما يعادل تقريبًا 10,000 كيلوغرام = 10 أطنان ذهب.

ومع سعر اليوم 112 دينارًا للغرام، فإن قيمة هذه المشاركة وحدها تعادل تقريبًا:
1.12 مليار دينار أردني…
وهذا رقم ضخم جدًا، لكنه ليس خيالًا… بل طاقة اقتصادية قابلة للتحول إلى مشاريع ودخل وفرص عمل.

لماذا “تسييل جزء من الذهب” هو قلب الفكرة؟
لأن الذهب وحده، وهو محفوظ في البيوت، لا يُنتج دخلًا.
لكن حين نُسيّل جزءًا صغيرًا منه بطريقة قانونية شفافة، يصبح لدينا:
سيولة نقدية فورية
قدرة على تمويل مشاريع
قدرة على شراء معدات
قدرة على فتح خطوط إنتاج
قدرة على التسويق والتصدير
والأهم: يتحول الذهب من “أصل جامد” إلى “محرك نمو”.

ما الذي يضمن عدم ضياع حقوق النساء؟
المشروع يجب أن يُبنى على 5 ضمانات صارمة لا تنازل عنها:
الشركة مساهمة عامة مسجلة رسميًا
الذهب يُودع ويُوثق ويُؤمَّن في خزائن معتمدة
تقارير مالية مدققة سنويًا
إدارة محترفة + رقابة حكومية وتشريعية
منع الاحتكار: سقف مساهمة 10–15 غرام فقط لكل سيدة
بهذه المعادلة يصبح المشروع ملكية شعبية نسائية واسعة وليس “مشروع نخبة”.

أين الربح؟ وكيف تتحقق المرابح والعوائد؟
الربح هنا لا يأتي من المضاربة بالذهب، بل من تشغيل رأس المال في مشاريع حقيقية ذات دورة نقدية سريعة.

1) عوائد تشغيل السيولة
بمجرد تسييل جزء من الذهب، يمكن للبنك النسائي أن يموّل آلاف المشاريع الصغيرة والمتوسطة بصيغ تمويل إسلامية واضحة مثل: مرابحة معدات
مرابحة مواد أولية
تمويل تشغيل وتسويق
تمويل توسعة
وفي المرابحة عادة يتم تحقيق هامش ربح سنوي منطقي يتراوح (بحسب نوع النشاط والمخاطر) بين 8% إلى 15%.

2) أرباح من الاستثمار المباشر في مشاريع رابحة
البنك لا يكتفي بالتمويل فقط، بل يمكن أن يدخل كشريك في بعض المشاريع عالية الجدوى مثل: التعبئة والتغليف الغذائي
منتجات الأعشاب الطبية
صناعة الصابون الطبيعي
التطريز والمنتجات التراثية
منتجات سياحية مرتبطة بالبتراء ووادي رم والبحر الميت والعقبة
التجارة الإلكترونية والتصدير

وهنا يمكن أن ترتفع الربحية إلى نطاق أعلى، خصوصًا إذا نجح التسويق والتوزيع.

3) أرباح من “علامة وطنية موحدة”
الضربة الذكية في المشروع ليست فقط أن تنتج النساء… بل أن يبيع البنك منتجاتهن تحت علامة وطنية واحدة قوية مثل:
“صنعته الأردنيات”
“منتج نسائي أردني موثوق”
وعندها تتحول الأرباح من مجرد بيع منتج… إلى بناء “ماركة” وطنية، وهي أعلى قيمة في الاقتصاد الحديث.

ما الذي ستكسبه السيدة المساهمة فعليًا؟
السيدة التي تساهم بـ 10–15 غرام لا تبحث عن “مجاملة وطنية”… بل تريد عائدًا ملموسًا.

وهنا يأتي نموذج العوائد المقترح:
أولًا: سهمها محفوظ ومثبت رسميًا
ثانيًا: تحصل على أرباح سنوية أو نصف سنوية بحسب نتائج الشركة
ثالثًا: تحصل على أولوية تمويل لمشروعها إن رغبت

رابعًا: تستفيد من التدريب والتسويق الجماعي

خامسًا: ترتفع قيمة أسهمها مع توسع الشركة
وبذلك يصبح الذهب ليس فقط “حماية من الزمن”… بل “صناعة للزمن القادم”.

كم مشروع يمكن إطلاقه فعليًا؟
لو افترضنا أن البنك استطاع توفير سيولة تشغيلية أولية بحجم 100 مليون دينار (من تسييل جزء من الذهب + أدوات تمويل إضافية)، فإننا نستطيع إطلاق:
ما بين 20 ألف إلى 50 ألف مشروع
إذا كان متوسط التمويل للمشروع الواحد بين 2000 إلى 5000 دينار.

وهذا وحده قادر على إيجاد موجة تشغيل واسعة، لأن كل مشروع صغير عادة يشغّل: سيدة واحدة على الأقل…
ومعها فرد أو اثنان من الأسرة
ومع الوقت عامل إضافي أو شريك
أي أننا قد نتحدث عن 100 ألف فرصة دخل مباشرة وغير مباشرة خلال سنوات قليلة.

لماذا الآن؟ ولماذا هذا المشروع بالذات؟
لأن الأردن أمام تحديين كبيرين: ارتفاع كلفة المعيشة
وتراجع فرص العمل التقليدية
وفي المقابل لدينا كنز اجتماعي واقتصادي: الذهب الموجود لدى النساء
والخبرات المنزلية والإنتاجية الكامنة
والقدرة على التسويق الرقمي
والسياحة التي يمكن ربطها بالمنتجا المحلي

وبالتالي، بدل أن يبقى الذهب “حارسًا صامتًا”، يصبح “مستثمرًا نشطًا”.

الفكرة الأجمل: مشروع يربح… ويُحافظ على كرامة المجتمع
هذا المشروع لا يطلب من المرأة بيع ذهبها بالكامل، ولا يضغط عليها، ولا يغيّر ثقافة الناس.
بل يقول باحترام:
ضعي فقط 10–15 غرام كحد أعلى
خذي أسهمًا موثقة
واحصلي على أرباح
واجعلي الذهب يصنع مشروعًا
ومشروعك يصنع استقلالًا ماليًا
واستقلالك يصنع وطنًا أقوى
الخلاصة: الذهب ليس “حلي”… الذهب سياسة اقتصادية
إذا نجح “بنك الذهب الأردني النسائي” كفكرة وطنية شفافة، فسنكون أمام تجربة رائدة عربيًا:
أول مشروع يربط مدخرات النساء بمشاريع إنتاجية
أول شركة مساهمة عامة تملكها النساء بهذا الاتساع
أول بنك مجتمعي يطلق الاقتصاد النسائي من قلب البيوت إلى قلب السوق

وهنا فقط سنفهم المعنى الحقيقي للجملة التالية:
ذهب الأردنيات… ليس للزينة فقط
بل لبناء الثروة وفرص العمل والكرامة الاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى