حين يسقط التاج: الوجه المظلم لفضائح الملكيات الأوروبية

بعيدًا عن بريق التيجان وسرديات الانتصار، تكشف صفحات التاريخ الحديث عن سلسلة فضائح ضربت قلب الملكيات الأوروبية، من خصومات وخيانات ونفي وإعدامات، وصولًا إلى زلازل أخلاقية هزّت صورة المؤسسة الملكية نفسها. ومع تعاقب العقود، تآكل السحر القديم، وبدأ أفراد من الأسر المالكة يتخلون عن أعراف راسخة عمرها قرون، مفضلين حياة أكثر تحررًا انتهت في كثير من الأحيان إلى فضائح مدوية.
خلف جدران القصور والطقوس الفخمة تختبئ حقيقة أقل لمعانًا؛ أبناء وبنات نشأوا في رفاه لا يُتصوّر، عُرضوا على الدوام كنماذج مثالية، لكن أفعال بعضهم دفعتهم إلى قلب عناوين الجريمة والتحقيقات، من اتهامات اغتصاب في النرويج، مرورًا بملفات فساد في إسبانيا، وصولًا إلى انهيارات أخلاقية في بريطانيا.
في النرويج، وجد اسم ماريوس بورغ هويبي نفسه في صدارة المشهد. هو نجل ولية العهد من علاقة سابقة، نشأ في كنف القصر دون صفة رسمية، ويواجه اليوم محاكمة في أوسلو على خلفية عشرات التهم الجنائية، بينها اتهامات باغتصاب في ظروف يُزعم فيها غياب الوعي. وبينما نفى التهم الأشد، أقرّ بمخالفات أخرى شملت العنف وتعاطي المخدرات، ما وضع المؤسسة الملكية تحت ضغط غير مسبوق.
البلاد نفسها دخلت دائرة الضوء مع تداعيات ملفات جيفري إبستين في أوروبا. أسماء عامة بارزة وُضعت تحت المجهر، من بينها ولية العهد ورئيس وزراء سابق، بعدما كشفت وثائق ورسائل عن صلات سابقة بإبستين، شملت استئجار منزل له في فلوريدا عام 2013، وهي وقائع أُكدت لاحقًا ضمن إطار رسمي، لتفتح باب تساؤلات واسعة حول حدود العلاقات والنفوذ.
في بريطانيا، كان الأثر الأعمق لفضيحة إبستين على العائلة المالكة. الأمير أندرو، الابن الثاني للملكة إليزابيث الثانية، ارتبط اسمه بعلاقة وثيقة مع إبستين، وتعرّض لاتهامات اعتداء جنسي على قاصرة، انتهت بتسوية مالية خارج المحاكم. محاولة تبرير الموقف عبر مقابلة تلفزيونية قلبت المشهد ضده، لتُسحب ألقابه ويُعزل عن الحياة العامة في خطوة تاريخية هدفت إلى إبعاده عن أنظار الجمهور.
قصة أخرى من لندن حملت طابعًا مختلفًا، بطلها الأمير هاري. صور من حفلات صاخبة في شبابه غذّت صحافة الفضائح، قبل أن يتخذ قرار الزواج والانسحاب من الحياة الملكية والانتقال إلى الولايات المتحدة. مقابلات إعلامية وكتاب سيرة ذاتية فتحا خزائن الأسرار، متناولين تعاطي المخدرات والغيرة العائلية والشعور بالإهمال، ما حوّله إلى رمز للتمرد على الأعراف الملكية وقسّم الرأي العام بين متعاطف ومنتقد.
أما في موناكو، فبدت فضائح عائلة غريمالدي بلا نهاية. الأمير ألبير الثاني أقرّ بوجود أبناء خارج إطار الزواج، فيما عاشت شقيقتاه علاقات وزيجات قصيرة تحت مجهر إعلامي قاسٍ. وفي إسبانيا، ألقت قضايا الفساد بظلالها الثقيلة على عهد الملك السابق خوان كارلوس، الذي غادر البلاد وتنازل عن العرش بعد تحقيقات طالت محيطه العائلي، وزادت رحلة صيد مثيرة للجدل في ذروة الأزمة الاقتصادية من غضب الشارع.
كل هذه الوقائع أعادت طرح سؤال جوهري: هل ما زالت الملكيات الأوروبية قادرة على الحفاظ على هالتها الأخلاقية في عصر الشفافية؟ أم أن الفضائح المتراكمة باتت تُقوّض الثقة وتكشف فجوة آخذة في الاتساع بين التاج والشعوب؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى