“شومان” تحتفي بالأكاديمي والباحث الدكتور زيدان كفافي ضمن برنامج “ضيف العام”

احتفت مؤسسة عبد الحميد شومان، اليوم السبت، بالأكاديمي والباحث الدكتور زيدان كفافي، في ندوة بعنوان “زيدان كفافي.. أكاديميا وباحثا”، وذلك ضمن برنامج “ضيف العام”.
وحضر الاحتفائية سمو الأميرة دانا فراس، والشريفة نوفة بنت ناصر، ونخبة من المفكرين، والأكاديميين، والمعنيين.
الرئيسة التنفيذية لمؤسسة عبد الحميد شومان فالنتينا قسيسية أشارت في كلمتها، إلى أن الدكتور زيدان كفافي، شكل حالة خاصة في عالم الأكاديميا، وهو الذي رفض أن يكون الأكاديمي محصورا في قاعات التدريس أو في التأليف النظري، بل انحاز إلى الميدان باحثا ومنقبا، فقاد عشرات الحفريات الأثرية البارزة، في مواقع مفصلية مثل: عين غزال والحسية ودير علا وتل داميا وأبو حامد وجبل القلعة في عمان، لتأتي تلك الحفريات بفتوحات جديدة عن عالم الاستيطان البشري، ليشكل بذلك مثالا للعالم القريب من الأرض والذاكرة والتاريخ. وقد كان دوره محوريا في أعمال التنقيب والدراسة العلمية في موقع عين غزال، وهو ما أسهم في وضع الأردن في صدارة الدراسات العالمية حول عصور ما قبل التاريخ في المنطقة.
وقالت “إن ضيفنا نشر أكثر من عشرين كتابا بين تأليف وتحرير، و250 بحثا منفردا ومشتركا، أغلبها تتحدث عن آثار الأردن بشكل خاص، وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية بشكل عام، ليتوج واحدا من أهم أعمدة علم الآثار في العالم العربي”، منوهة إلى أن إسهاماته العلمية شكلت مرجعا مهما للباحثين والدارسين، وأسهمت جهوده في كشف طبقات جديدة من تاريخنا، وفي تعميق فهمنا للحضارات التي تعاقبت على هذه الأرض. كما كان له أثر واضح في إعداد أجيال من الطلبة والباحثين، وترسيخ قيم الدقة والمنهجية والمسؤولية العلمية في نفوسهم.
وأكدت قسيسية أن مؤسسة عبد الحميد شومان، تسعى، على الدوام، إلى تكريم العلم والعلماء والأدباء والمثقفين الذين تركوا بصمة واضحة على الحياة العامة في الأردن، تكريما لجهودهم الكبيرة، وأثرهم في حياتنا. وقد شكل برنامج “ضيف العام” السنوي علامة بارزة على هذا المسار الذي انتهجناه منذ أكثر من ربع قرن، ليكون أداتنا لتكريم العلماء والمثقفين.
واشتملت الاحتفائية على ندوة تكريمية ضمت مجموعة من الجلسات التي تناولت سيرة وإنجازات الدكتور كفافي، حيث تحدث في الجلسة الأولى التي أدارها الدكتور عمر الفجاوي وحملت عنوان “البدايات”، كل من الدكتور محمد عدنان البخيت وجاءت ورقته بعنوان “زيدان عبد الكافي كفافي: من قرية نوبا في جبل الخليل إلى رحاب الجامعة الأردنية”، والدكتورة هند أبو الشعر وحملت ورقتها عنوان “البدايات الراسخة: زيدان كفافي والجامعة الأردنية”، ورمضان كفافي وجاءت ورقته بعنوان “مرحلة القرية”، والدكتور نعمان جبران وكانت ورقته بعنوان “زيدان كفافي كما عرفته طالبا في الجامعة الأردنية”.
وأشار المتحدثون إلى أن الدكتور زيدان من الشخصيات التي ارتبط بها علم الآثار في الوطن وفي العالم، وهو طيب القلب، وشديد التهذيب، يفيد الآخرين من علمه وفكره المتنور، ويحترم فكر الآخر.
كما تم استعراض جوانب من بدايات الدكتور زيدان في قريته نوبا في جبل الخليل بالإضافة إلى مسيرته العلمية.
وتحدث في الجلسة الثانية التي أدارها الدكتور عمر الغول وحملت عنوان “في ميدان العمل والدراسة”، كل من الدكتور نظام عباسي بورقة عنوانها “من فرايبورغ إلى برلين: أنسنة الغربة”، والدكتور هانز جيبل (عبر تقنية الاتصال المرئي)، والدكتورة سوزان كيرنر، وإيهاب عمارين وحملت ورقته عنوان “الدكتور زيدان كفافي من متحف الآثار الأردني إلى متحف الأردن: خمسون عاما من العمل المتحفي المميز”، والدكتور فوزي أبو دنه وجاءت ورقته بعنوان “محطة في مسيرة زيدان كفافي المهنية: دائرة الآثار العامة”.
وبينوا أن الغربة التي بدأت من فرايبورغ وامتدت إلى برلين، لم تكن مجرد انتقال جغرافي أو مرحلة عابرة، بل تجربة وجود متكاملة، وساهمت إلى حد كبير في إعادة تشكيل وعيه العلمي والإنساني، مثلما استعرضوا جوانب متعددة من مسيرته العلمية والعملية في مجال الآثار.
وفي الجلسة الثالثة التي جاءت بعنوان” في الأكاديميا والميدان”، وأدارها الدكتور مصلح النجار، تحدث كل من رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عدنان بدران بورقة عنوانها “زيدان كفافي وجامعة اليرموك: مسار علمي في التأسيس والتجديد الأكاديمي”، والدكتور منذر الشرع وجاءت ورقته بعنوان “الآثار والتنقيبات الأثرية في توضيح السرديات التاريخية: لمحات من أعمال البروفيسور زيدان كفافي”، والدكتور أديب أبو شميس بورقة عنوانها ” من حيث تنفس الزمن واستنطق الجص ذاكرة الماضي من طين سيل عمان”، كذلك الدكتور معاوية إبراهيم بورقة عنوانها “مساهمات أ. د. زيدان كفافي في الدراسات والأعمال الميدانية”، والدكتور جيري رولفسون.
وبين المتحدثون أن الحديث عن الدكتور زيدان كفافي هو حديث عن تجربة أكاديمية متكاملة، ارتبطت بجامعة اليرموك في مرحلة تأسيسها ونموها، وأسهمت في ترسيخ نموذج للجامعة المنفتحة على المعرفة، والمتجذرة في مجتمعها، والمتصلة بالعالم.
وقالوا إن تكريم الدكتور كفافي لا يخص فردًا بعينه، بقدر ما هو احتفاء بجيل من الأكاديميين الذين آمنوا بأن التعليم مشروع وطني طويل الأمد، وبأن الجامعة ليست مبنى أو شهادة، بل رسالة ومسؤولية.
وأضافوا أن إسهاماته في التنقيب، خاصة في مواقع مثل “عين غزال”، تظل شهادة حية على إخلاصه لمهنته وتفانيه في خدمة العلم، حيث لم يكن الدكتور كفافي مجرد باحث خلف الأبواب المغلقة، بل قائداً ميدانياً ملهماً أخرج من باطن الأرض كنوزاً معرفية غيرت خارطة التاريخ الإنساني.
الجلسة الرابعة التي أدارها الدكتور زياد أبو لبن وجاءت بعنوان “العمل مع وزارة السياحة أهم الأعمال والاكتشافات”، تحدث فيها كل من وزير السياحة الأسبق لينا عناب بورقة عمل عنوانها “خير الناس أنفعهم للناس”، والدكتور عمر الغول وجاءت ورقته بعنوان “العصيان المعرفي”، والدكتور خالد البشايرة وحملت ورقته عنوان “إضاءات على رحلة زيدان كفافي على خطى الحضارات”، والدكتورة ميسون النهار وكانت ورقتها بعنوان “مكتشفات أ. د. زيدان كفافي لمواقع العصر الحجري الحديث”.
وأكد المشاركون في أوراقهم أن تجربة الدكتور زيدان هي مدرسة وطنية متكاملة في البحث العلمي، والإدارة المؤسسية، وخدمة المجتمع، وحماية الهوية، منوهين إلى أن
الدكتور زيدان يعلمنا أن علم الآثار ليس حجارة تُكتشف، بل سردية تُبنى، وأن حماية المواقع ليست مشروعاً عابراً، بل رؤية طويلة الأمد تستثمر في الإنسان قبل الحجر.
وبينوا أن الدكتور زيدان ترك بصمة واضحة في كل موقع عمل فيه، وفي كل مؤسسة شارك في بنائها، وفي كل طالب تتلمذ على يديه، وفي كل مشروع أثري حمل اسمه.
الجلسة الخامسة والأخيرة والتي حملت عنوان “طلاب الدكتور زيدان كفافي”، وأدارها الدكتور زهير توفيق، تحدث فيها كل من الدكتور هاشم خريس بورقة بعنوان “زيدان كفافي في ذاكرة طلابه: تجربة علمية وإنسانية”، والدكتورة فردوس العجلوني بورقة بعنوان “رحلتي العلمية مع الأستاذ كفافي: صوت الماضي في حاضر الأردن”، كذلك الدكتورة فايزة الشروف بورقة بعنوان “أنا وزيدان رحلة عمر”.
وقال المتحدثون في الجلسة إن من أهم ما ميّز الدكتور زيدان كفافي، في نظر طلابه، أنه لم يكن أستاذًا فرديًا يقتصر أثره على قاعة درس أو مقرر جامعي، بل كان مؤسس مدرسة علمية متكاملة، قامت على منظومة واضحة من القيم والمنهجيات، وشكّلت إطارًا فكريًا ومعرفيًا مشتركًا لأجيال من الباحثين. مدرسة ارتكزت، في جوهرها، على الصرامة المنهجية، واحترام المنهج العلمي، والدقة في استخدام المصطلح، والالتزام الصارم بالتوثيق والمصادر، وربط النظرية بالتطبيق، وربط البحث الأثري بالمعرفة التاريخية المقارنة، ضمن التزام راسخ بأخلاقيات البحث العلمي.
كان الدكتور كفافي يؤكد دائمًا أن قيمة البحث العلمي لا تكمن في جرأة نتائجه أو في إثارة استنتاجاته، بل في سلامة منهجه، وأن أي خلل في المنهج ينعكس بالضرورة على مصداقية النتائج، مهما بدت لافتة أو جديدة. وكان يلفت انتباه طلبته باستمرار إلى أن الباحث الأثري يتحمّل مسؤولية مضاعفة، لأنه يتعامل مع مادة غير قابلة للتكرار، ومع شواهد تشكّل جزءًا من الذاكرة التاريخية والثقافية، وأن أي قراءة غير دقيقة لا تسيء إلى الباحث وحده، بل إلى التاريخ ذاته.
زوجة الدكتور زيدان كفافي الدكتور فايزة الشروف قالت في ورقتها: “إن اختيار الدكتور زيدان ضيف العام هو تكريم لمسيرة إنسان عاش حياته بصدق، وأعطى دون انتظار مقابل، وجعل من بيته نموذجًا للمحبة، ومن حضوره مصدر طمأنينة لكل من عرفه”.
وأضافت “يبقى زيدان أكثر من مجرد زوج، أو أب، أو جد، أو حمو، أو أخ؛ إنه قلب نابض بالحياة، يفيض بالمحبة ويمنح السند دون انتظار مقابل. حضوره في حياة من حوله طمأنينة، وكلمته دعم، وفعله ترجمة صادقة لمعنى العطاء الحقيقي. جمع في شخصه الحكمة والحنان، والقوة والرحمة، فكان عماد الأسرة وملجأها الآمن في كل وقت. هكذا هو زيدان… إنسان تُقاس قيمته بما يزرعه من حب، وبما يتركه من أثر طيب لا يزول”.
وفي نهاية الندوة التكريمية أعرب “ضيف العام”، الدكتور زيدان كفافي، عن شكره وامتنانه لمؤسسة “شومان” على تنظيمها لهذه الاحتفالية التكريمية، مستعرضا مسيرة حياته العلمية والعملية.
الدكتور زيدان عبد الكافي كفافي هو أكاديمي وباحث أردني بارز في علم الآثار. حصل على درجة الدكتوراه العام 1982 من جامعة برلين الحرة، والتحق بهيئة التدريس في جامعة اليرموك حيث تدرّج في الرتب الأكاديمية حتى عُيّن أستاذاً العام 1993، ثم رئيساً لجامعة اليرموك خلال الفترة (2018 – 2020).
شغل العديد من المناصب الأكاديمية والإدارية البارزة، من بينها عميد كلية الآثار والأنثروبولوجيا، وعميد البحث العلمي والدراسات العليا، ومدير معهد الآثار والأنثروبولوجيا، كما عمل أستاذاً وباحثاً زائراً في جامعات ومراكز بحثية عربية وأوروبية مرموقة، من أبرزها المركز الوطني الفرنسي للأبحاث.
قدّم كفافي إسهامات رائدة في دراسة آثار الأردن وبلاد الشام، خصوصا في عصور ما قبل التاريخ والعصور البرونزية والحديدية، وأشرف وشارك في عشرات الحفريات والمسوحات الأثرية المحلية والدولية. نشر عدداً كبيراً من الكتب والأبحاث العلمية المحكمة، وتقلّد عضوية ورئاسة هيئات تحرير مجلات علمية متخصصة.
وتقديراً لإسهاماته العلمية ودوره في إبراز التراث الثقافي الأردني، نال كفافي تقديراً محلياً ودولياً واسعاً، فقد نال وسام الملك عبدالله الثاني للتميز، وجائزة الدولة التقديرية في الآثار، ووسام السعفات الأكاديمية من الحكومة الفرنسية، وجائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى