أعوام القلب …!

بقلم م. عبدالرحمن “محمدوليد” بدران
سنوات عمر تمضي بنا سريعة فنكبر معها كل يوم وتكبر معنا الكثير من الذكريات، الشخصيات، الضحكات والآهات، أحداث تمر علينا مرور الكرام، وأخرى تحفر في الذاكرة ملازمة لشريط ذكريات يعاد أمام أعيننا بأدق تفاصيله بين حين وآخر.
وبين تلك الذكريات لحظات نعيشها مع من يحملنا صغاراً بذراعيه فور انطلاقنا في الحياة، من أخذ بيدنا كلما كنا نكاد أن نتعثر، من كانوا أول من يشعر بألمنا في صدورنا حتى قبل وصوله إلى قلبنا، من كانوا أول يد تمتد لتمسح لنا دمعتنا عندما كانت تبدأ بمغادرة مقلتنا، من كانوا لا يعرفون الراحة والهناء في نومهم إلا عند النظر إلينا ورؤيتنا مستغرقين في نومنا في هدوء وسكينة، ومن كنا نشعر بأن روحنا منقسمة إلى نصفين بيننا وبينهم، لنصبح بعد فراقهم وكأننا نعيش بنصف روح أو ربما أقل، من كانوا يطوون الأرض يميناً ويساراً وجنوباً وشمالاً ليأتوا لنا بأطيب ملذات الحياة وأجمل أساليب الراحة والهناء ويقفون سنداً لنا في كل محنة أو تحد في مراحل حياتنا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
اليوم ونحن نستظل بظلال شهر فضيل هو أفضل الشهور عند الله عزوجل، لا بد لنا أن نستذكر هذه اللحظات مع أكثر من كانوا يتحرقون شوقاً معنا لاستقبال هذا الشهر في كل عام، ليتملكنا التساؤل ترى هل حقيقة فعلاً أن ما يزيد عن عشرين عاماً انقضت على لحظة فراق من كنا نشعر بجمال الحياة بنفسها ونظرة عينيها ولمسة يدها الحانية، وكيف يمكن أن نكون قد قضينا أكثر من خمسة عشر عاماً بعد فراق من تعلمنا منه كيف يكون الإصرار والتحمل وروح العزيمة.
كيف يمكن لكل هذه الأعوام أن تتسلل من بين أيدينا ونحن ما زلنا نستذكر لحظاتنا مع من رافق قلوبنا منذ أول لحظة فتحنا فيها أعيننا على هذه الدنيا، وما زلنا نعيش معهم كل تفاصيل اللحظات قبل الفراق ولحظة الفراق وحتى بعد الفراق!
لتأتي الإجابة من داخلنا يقيناً يكبر فينا كل يوم، أن مقابل أعوام الورق وحسابات السنين هناك أعوام القلب التي لا تعترف بحدود زمن ولا نهاية لذكريات، بل وتكون حصراً لمن تملك حبهم القلب وعاش وتربع في واسطة عقده، وفي مقدمة هؤلاء بكل تأكيد أول الأيادي التي تحملنا عندما قدومنا إلى هذه الحياة رحمهم الله وجزاهم عنا خير ما جزى والداً ووالدة عن ولدهم.
ولربما كان من أساس القول أن نستذكر ونحن نتحدث عن كل من حفر مكانه في وسط قلوبنا أيقونة الصبر والتحمل في هذا الزمان، أهل الصبر والعزة والكرامة، أهل غزة الأكارم من قدموا ومازالوا يقدمون كل لحظة للعالم بأسره ومعهم كل الصابرين الصامدين من أهل فلسطين الإباء دورساً في الصبر والتحمل والصمود فوق تراب أرضهم، ومقدمين كل غال لأجل ذلك، بوجه الاحتلال الأكثر طغياناً وتجبراً وتحدياً لكل القوانين الدولية والإنسانية في هذا العالم.
اليوم ونحن نقف على عتبات شهر رمضان المبارك، شهر الخيرات والبركات وعظيم الهبات، ونحن نخاطب روح والدة أنجبت ووالد ساند روحنا عندما على الدنيا أقبلت، لنقول لهم بأنهم مازالوا يتربعون في وسط العين والقلب، ونؤكد لهم العهد من جديد بأن تبقى أرواحهم مرافقة وملازمة لروحنا ودعواتنا ما بقي فينا نبضاً بالحياة حتى اللقاء مجدداً في الجنان بإذن الله، رافعين أيدينا بالدعاء لخالقنا عزوجل بأن يجعل أيام شهر رمضان المبارك القادمة أيام جبر عظيم تنجبر فيها كل النفوس المكسورة، وتمتلأ فيها القلوب بالهدوء والسكينة، وتعم فيها الخيرات والبركات جنبات كل بيت من بيوتنا، وتعود فيها ابتسامة الفرح والمسرات لمرافقة كل وجه افتقدها من بيننا.
…



