على حافة الخيار .. هل تدخل أوكرانيا نادي القوى النووي ؟
د .مهدي مبارك عبد الله
منذ أن أفاق العالم على هول القنبلتين الذريتين في هيروشيما وناغازاكي دخل النظام الدولي عصراً جديداً عنوانه احتكار القوة المطلقة وتسييجها بمعادلات ردع دقيقة خاصة وان السلاح النووي لم يكن مجرد أداة عسكرية بل أصبح بطاقة عضوية في نادي الكبار ووسيلة لفرض الإرادة السياسية وتكريس موازين القوى ومنذ الحرب الباردة تشكل ما يشبه التوافق الضمني على ضبط هذا السلاح عبر معاهدات تحد من انتشاره وتؤطر استخدامه وتمنع انزلاق البشرية إلى فوضى ذرية غير محسوبة غير أن السنوات الأخيرة كشفت هشاشة هذا البناء القانوني وأعادت إلى الواجهة سؤالاً وجودياً هل ما زال الردع النووي ضمانة للاستقرار أم أنه بات بذرة سباق تسلح جديد أكثر خطورة وتعقيداً
بعد انتهاء العمل بمعاهدة New START في فبراير 2026 أسدل الستار على آخر إطار ملزم يضبط الترسانتين الأكبر في العالم بين الولايات المتحدة وروسيا لتدخل المنظومة الاستراتيجية مرحلة غموض غير مسبوقة حيث ان المعاهدة التي سبقتها سلسلة اتفاقات بدأت بـ START I شكلت لعقود صمام أمان حدّ من الرؤوس النووية ووسائط إطلاقها وكرّس آليات تفتيش وتبادل معلومات قلّصت احتمالات سوء التقدير ومع غياب اي بديل قانوني ملزم يتصاعد القلق من انفتاح شهية القوى الكبرى على إعادة بناء ترساناتها كماً ونوعاً في ظل صعود قوى نووية أخرى وفي مقدمها الصين التي تعزز قدراتها بوتيرة متسارعة
في قلب هذا الواقع المضطرب تبرز أوكرانيا بوصفها العقدة الأكثر حساسية فهذه الدولة التي ورثت بعد تفكك الاتحاد السوفياتي ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم اختارت عام 1994 الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية كدولة غير نووية مقابل ضمانات أمنية ضمن مذكرة بودابست التي وقعتها مع المملكة المتحدة والولايات المتحدة وروسيا غير أن الحرب التي اندلعت عام 2022 ثم تطورت إلى صراع استنزاف طويل الامد أعادت إلى الذاكرة الأوكرانية سؤالاً مريراً هل كان التخلي عن الردع النووي خطأ استراتيجياً تاريخياً
الادعاءات التي صدرت عن الاستخبارات الروسية في فبراير 2026 بشأن مساعٍ بريطانية فرنسية لتزويد كييف بسلاح نووي أو ما يسمى بالقنبلة القذرة تندرج في سياق حرب سرديات لا تقل شراسة عن المعارك الميدانية وموسكو ترى في أي تقارب نووي أوروبي أوكراني يعتبر تهديداً وجودياً وتلوّح بعقيدتها التي تتيح استخدام السلاح النووي إذا تعرضت الدولة لأي خطر استراتيجي في المقابل تنفي كييف ولندن وباريس هذه الاتهامات وتؤكد التزامها بنظام عدم الانتشار لكن مجرد طرح الفكرة يعكس حجم التصدع الذي أصاب بنية الردع التقليدي في القارة الأوروبية عامة
المفارقة التي تفرض نفسها هنا ذات أبعاد سياسية وأخلاقية عميقة ففي الوقت الذي تخوض فيه واشنطن والعواصم الأوروبية معركة ضارية لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي وتعتبر ذلك خطاً أحمر يهدد الاستقرار الإقليمي والعالمي نجد هذه العواصم نفسها تقدم دعماً عسكرياً واسعاً لأوكرانيا وتبحث في توسيع مظلتها الدفاعية بما في ذلك نقاشات حول الردع النووي الأوروبي المستقل وهو نقاش يتقاطع أيضاً مع واقع خاص يتمثل في وضع إسرائيل التي يُنظر إليها على نطاق واسع كقوة نووية فعلية تنمو خارج إطار المعاهدة الدولية ودون أن تواجه الضغوط ذاتها التي تُفرض على طهران وهذه الازدواجية في المعايير تضعف خطاب عدم الانتشار وتمنح خصوم الغرب مادة دعائية للطعن في صدقيته واحترامه
هنالك ثلاثة أبعاد تحكم الإجابة عن سؤال امكانية دخول أوكرانيا سباق التسلح النووي أولها البعد القانوني إذ تستطيع كييف نظرياً الاستناد إلى المادة العاشرة من معاهدة عدم الانتشار التي تتيح الانسحاب في حال تعرض المصالح العليا لخطر استثنائي غير أن خطوة كهذه ستعني عملياً مواجهة عزلة دولية وعقوبات محتملة وتفجير ما تبقى من منظومة الحد من الانتشار وثانيها البعد الاستراتيجي حيث إن أي مظلة نووية أوروبية مشتركة أو نموذج مشاركة نووية سيُعد من منظور موسكو تغييراً جذرياً في قواعد الاشتباك وقد يدفعها إلى تصعيد مقابل وثالثها البعد العملي التقني فإعادة بناء قدرة نووية وطنية ليست قراراً سياسياً فحسب بل مسار معقد يتطلب بنية صناعية وتمويل وزمن يضع الدولة تحت رقابة دولية صارمة
المشهد الأوروبي بدوره يعيش تحولات عميقة فمع تزايد الشكوك حول استدامة الالتزام الأميركي بأمن القارة برزت دعوات فرنسية لتوسيع الردع النووي الوطني ليغدو مظلة أوروبية أوسع وهو ما تعتبره موسكو تهديداً مباشراً لتوازن القوى التقليدي وبينما تلوّح روسيا بترسانة تفوق خمسة آلاف رأس نووي وتؤكد جاهزية أسلحتها التكتيكية تبدو أوروبا أمام خيارين أحلاهما مر إما الارتهان الكامل للمظلة الأميركية لحمايتها أو المخاطرة بإعادة عسكرة نووية للقارة تعيدها إلى أجواء الحرب الباردة ولكن بلا قواعد ضابطة واضحة
مرة ثانية هل تدخل أوكرانيا سباق التسلح النووي الإجابة حتى الآن تميل إلى النفي العملي رغم تصاعد الخطاب فكييف تدرك أن قوتها الراهنة تكمن في شبكة الدعم الغربي الواسعة وأن أي انحراف نحو الخيار النووي قد يقوّض هذا الدعم كما أن الغرب نفسه وإن انخرط في دعم عسكري غير مسبوق يظل حريصاً على إبقاء الصراع دون عتبة المواجهة النووية المباشرة غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في قرار معلن بامتلاك القنبلة بل في تراجع المحظورات الأخلاقية والقانونية التي كبحت هذا السلاح لعقود فإذا انهارت هذه المحظورات فإن سباق التسلح لن يقتصر على أوكرانيا بل سيتحول إلى ظاهرة عالمية تعيد رسم خرائط القوة وتضع البشرية مجدداً على حافة الهاوية النووية حيث يصبح الردع هشاً وسوء التقدير قاتلاً والنظام الدولي رهينة معادلة الرعب المفتوح على كل الاحتمالات
ختاما يمكننا القول انه مع انتهاء العمل بمعاهدة New START وتآكل الضمانات التي كرّستها مذكرة بودابست، تجد كييف نفسها أمام سؤال وجودي يعيد رسم معادلات الردع في أوروبا ويكشف ازدواجية النظام الدولي في إدارة الملف النووي بين حرب استنزاف مفتوحة مع موسكو وتصدّع منظومة الحد من الانتشار حيث يتقدّم السؤال المحرّم إلى واجهة النقاش الأوروبي هل يصبح السلاح النووي آخر أوراق الردع في معركة تتجاوز حدود أوكرانيا إلى شكل النظام العالمي الجديد في لحظة يشتد فيها الضغط الغربي لمنع انتشاره في مناطق أخرى من العالم تتصاعد في أوروبا نقاشات غير مسبوقة حول توسيع المظلة النووية لكييف في مفارقة تعكس عمق المأزق الاستراتيجي الذي بات يواجهه الغرب
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]





