رمضان مبارك وكل عام وأنتم بألف خير

بقلم: نادية إبراهيم نوري
شهر رمضان المبارك الذي نزل فيه القرآن هدىً للناس، الكل يفرح بقدومه ويستعد لاستقباله، الصغير قبل الكبير، لأنه شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، ويتسابق الجميع بتقديم أسمى آيات التهنئة للأحبة والأصدقاء، والسعادة تغمر القلوب.
ونجد الكل يردد: رمضان مبارك لكل من يلتقيه في العمل أو في المواصلات أو في الأسواق، سواء يعرفه أو حتى مع الغرباء.
والكل يردد: شهر رمضان شهر البركة، نسمع هذه الجملة كثيرًا، وفعلاً شهر رمضان شهر البركة، حيث نلمس ذلك في الطعام في بيوتنا، وفي موائد الرحمن، وموائد الإفطار الجماعي لكل عابر سبيل أو فقير ومحتاج. نلمس تراحم القلوب العامرة بالإيمان، تتسابق بتقديم الخير للآخرين.
لكن المفارقة أننا نسمع جملة تتردد بكثرة: لا توجد بركة في وقت رمضان!
ما هذا التناقض؟ كيف لنا أن نقول رمضان شهر البركة ونستثني الوقت من تلك البركة؟
قررت أن أسأل كل من يدعي أنه لا يوجد بركة في الوقت: كيف يقضي وقته؟ وكانت أول سيدة جارتي التي تصلي معي في الجامع، والتي تشكو دائمًا من ضيق الوقت في رمضان. سألتها عن يومها، قالت بكل عفوية: أستيقظ قبل صلاة الظهر بساعة، وأبدأ بتجهيز ما أعده للإفطار حتى يؤذن الظهر. أصلي، ثم أدخل المطبخ لأعد طعام الإفطار حتى يؤذن العصر. أصلي، وأعود للمطبخ لأعد المقبلات والحلويات وتجهيز طعام الإفطار حتى يؤذن المغرب. أفطر مع أسرتي، ومن ثم أستعد للذهاب إلى المسجد لأداء صلاة التراويح. بعدها أعود منهكة القوى، أتابع التلفاز ساعة، وبعدها أقرأ صفحات من كتاب الله العزيز حتى يتمكن مني النوم. أذهب لأنام حتى أصحو لإعداد طعام السحور لأسرتي… وهكذا كل يوم!
ردت جارة أخرى بكل عفوية: أنا عندي غدًا عزومة أبنائي المتزوجين على الإفطار، وبذلك لن أجد وقتًا حتى لصلاة التراويح، وبعدها عزومة خطيب ابنتي وأسرته، والأسبوع القادم عزومة أهل زوجة ابني، ولا أدري كيف أوفق بين عزومة إخوتي وتجميعهم في يوم واحد! وختمت كلامها: الله المستعان، لا يوجد بركة في وقت رمضان!
تبسمت والتفتُّ إلى شابة تصلي معنا في الجامع وسألتها عن يومها في رمضان. أطلقت تنهيدة وقالت: المفروض يلغون الدراسة والجامعات في رمضان! سألتها: لماذا؟ قالت: كلنا نسهر في تجمعات أسرية نتمتع بليالي رمضان المباركة، حتى لا أجد وقتًا لمتابعة المسلسلات!
تدخلت شابة أخرى وردت بحماس: ليتهم يؤجلون الدراسة طيلة شهر رمضان، والامتحانات كذلك! من أين نأتي بالوقت لمراجعة المحاضرات والاجتهاد لأداء الامتحان؟
التفتُّ لها وسألتها: كيف تقضين يومك؟ تبسمت وأجابت: كلنا يدرك أنه لا توجد بركة في الوقت في شهر رمضان! فمجرد عودتي من الجامعة أنام، لأستيقظ على أذان المغرب، أتناول إفطاري وأذهب إلى الجامع لأداء صلاة التراويح، ومن ثم أعود أتابع المسلسلات واحدة تلو الأخرى وأنا أتمتع بأشهى الأطباق، وضحكت بسعادة حتى يأتي موعد السحور، أتناوله وأصلي الفجر، بعدها أنام ساعتين، ثم أذهب إلى الجامعة. بالله عليكم، أين أجد وقتًا كي أراجع محاضراتي؟!
نظرت إليها باستغراب، وقبل أن أنطق بكلمة سمعت الكثير من السيدات يؤيدنها بالرأي وهن يرددن: والله حرام أولادنا الدراسة في رمضان! وكأن رمضان شهر الكسل، وعلينا أن نقضي نهاره وليله بين النوم والطعام والجلوس أمام شاشات التلفاز!
إنه شهر واحد من ضمن اثني عشر شهرًا، ثلاثون يومًا من السنة كلها، وهبنا الله أيامًا مباركة، والبركة ليست في الطعام فقط، بل بركة في الصحة والوقت والتفكير والاجتهاد والنصر.
أوليست أكبر انتصاراتنا كانت في أيام رمضان؟
غزوة بدر كانت في السابع عشر من رمضان، وفتح مكة كان في العاشر من رمضان، ومعركة القادسية سنة خمس عشرة للهجرة، وفتح بلاد الأندلس سنة 92 للهجرة، وموقعة حطين سنة 584، ومعركة عين جالوت سنة 658 للهجرة، ونصر السادس من أكتوبر سنة 1973.
هل كان هؤلاء لا يملكون بركة في الوقت؟ أم لم يكونوا مثلنا بشرًا عاديين؟
الاختلاف الوحيد أن إيمانهم كان أكثر رسوخًا منا، وأدركوا جيدًا أن شهر رمضان كل شيء فيه مبارك، لذلك اجتهدوا في الاستغفار والتقرب إلى الله ومضاعفة الطاعات، وابتعدوا عن اللهو وتضييع الوقت فيما لا ينفع، وأدركوا أن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وأن عدونا اجتهد أن يدفعنا إلى اللهو وتضييع الوقت حتى لا نفوز بجائزة رمضان الكبرى.
هنا تذكرت الآية الكريمة:
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 27).
ياليتنا نسارع إلى إدراك قيمة الوقت، خاصة في رمضان، وندرك أن أي تجمعات عائلية وعزومات وعادات اجتماعية ومتابعة المسلسلات واللهو والتمتع بمغريات الحياة نستطيع أن نمارسها في بقية أشهر السنة، لكن أيام رمضان أيام معدودة، ياليتنا نفوز بها فوزًا عظيمًا




