شكران مرتجى… من وجع الهامش إلى عاصفة الحب

في موسم درامي اتسم بكثافة الطرح وتنوع الرهانات، حضرت شكران مرتجى بشخصيتين على طرفي نقيض: “ديبة” في اليتيم و”سندس” في عيلة الملك. الأولى تنتمي إلى دراما الصمت والهامش الإنساني، والثانية إلى دراما الجدل الاجتماعي والمواجهة. وبينهما تتشكل صورة ممثلة تعيد تعريف حضورها لا عبر تكرار أدواتها، بل عبر تفكيكها وإعادة بنائها.
ليست المسافة بين الشخصيتين شكلية، بل جوهرية في طبيعة الصراع وموقع البطلة داخل الحكاية. في “اليتيم” تقف مرتجى على هامش المجتمع، منكسرة ظاهرياً وعميقة داخلياً، بينما تتموضع في “عيلة الملك” في قلب العاصفة، حيث يتحول خيارها العاطفي إلى قضية رأي عام داخل النص وخارجه. هذا الانتقال يعكس وعياً فنياً برفض البقاء في منطقة آمنة.
في “اليتيم” لا تعتمد مرتجى على الحوار بقدر اعتمادها على الجسد. “ديبة” امرأة مثقلة بانحناءة دائمة، تمشي ببطء كأنها تحمل تاريخاً من القهر. الأداء قائم على الاقتصاد: نظرات طويلة، صمت مشحون، حركات دقيقة تُغني عن صفحات من الكلام. نجحت في تجنب الميلودراما، فلم تقدم الشخصية كضحية مستجدية للتعاطف، بل ككائن هشّ وصلب في آن. هكذا تحوّل الصمت إلى خطاب، وأصبح الحضور الجسدي نصاً موازياً للحوار.
رهانها على هذه الشخصية بدا شجاعاً، إذ تخلّت عن عناصر التجميل المعتادة، وقدّمت صورة تقوم على تشويه الشكل لإبراز عمق الروح. التفاصيل الصغيرة – التفاتة رأس أو ارتجافة يد – أصبحت مركز الثقل الدرامي، في لحظة نضج واضحة تحرر فيها الأداء من أسر الصورة.
على الضفة الأخرى، تظهر “سندس” بشخصية صريحة تدخل علاقة عاطفية مع رجل يصغرها سناً، يؤدي دوره تيم عزيز. هنا يتغير إيقاع الأداء؛ الحوار كثيف، المواجهات مباشرة، والانفعالات واضحة. لم تقدّم مرتجى الشخصية كامرأة متهورة، بل كامرأة تطالب بحقها في الاختيار العاطفي. غير أن الجدل الذي رافق الطرح كشف حساسية الفكرة، إذ بدت المعالجة أحياناً أقرب إلى إثارة النقاش الاجتماعي منها إلى تعميق البعد النفسي.
المفارقة بين الشخصيتين لافتة: إذا كانت “ديبة” تصرخ بصمتها، فإن “سندس” تواجه بالكلام. الأولى تبحث عن اعتراف بوجودها الإنساني، والثانية عن اعتراف بحقها في الحب. الجوهر واحد، هو الرغبة في الاعتراف، لكن أدوات التعبير مختلفة تماماً؛ ففي “اليتيم” يتحقق التأثير عبر الداخل، وفي “عيلة الملك” عبر الصدام مع الخارج.
بهذين العملين، تؤكد شكران مرتجى أنها تجاوزت التصنيف التقليدي، قادرة على أن تكون بطلة الصمت كما بطلة الجدل. بين الجرح الصامت والرغبة المعلنة، ترسم مساراً فنياً أكثر وعياً، يؤكد أن قيمة الممثلة لا تُقاس بمدى إثارة الجدل فقط، بل بقدرتها على تحويل الاختلاف إلى طاقة فنية مستدامة.




