حين تقصف المدارس والمستشفيات هل يكون الهدف فعلا إسقاط النظام الإيراني ؟

د. مهدي مبارك عبد الله

بداية اذا كان من الواجب الأخلاقي والقانوني رفض وإدانة أي هجوم إيراني يستهدف دولاً عربية وخصوصاً الخليجية عندما تطال الصواريخ أحياء سكنية ويُقتل مدنيون أبرياء فإن الميزان نفسه لا يجوز أن يختل حين يتعلق الأمر باستهداف القوات الأمريكية والإسرائيلية لمدارس ومستشفيات لم يثبت بتاتا أنها استخدمت لأغراض عسكرية ولم تكن مخازن سلاح بل أماكن يفترض أنها ملاذ آمن للأطفال والمرضى والكوادر الطبية لأن سقوط عشرات بل مئات القتلى والجرحى في صفوف طالبات على مقاعد الدراسة ومرضى على أسرّة العلاج لا يمكن تبريره بذريعة الحرب ولا يمكن تغليفه بلغة الضرورات العسكرية العاجلة فالقانون الدولي الإنساني لا يتجزأ والدم المدني ليس انتقائياً والضمير الذي يغضب لضحايا مدنيين هنا يجب أن يغضب ايضا بالقدر نفسه لضحايا مدنيين هناك وإلا فقدت القيم معناها وتحولت حماية المدنيين إلى شعار انتقائي لا يعكس حقيقة الالتزام الأخلاقي الذي ندعيه

ثم أي منطق هذا الذي يزعم أن الطريق إلى تغيير السلطة يمر عبر دماء الطالبات وصرخات المرضى وأي استراتيجية تلك التي ترى في أنقاض الفصول الدراسية وأسرّة العناية المركزة جسرا سياسيا نحو طهران فحين تعلن وزارة التعليم الإيرانية مقتل 180 طالبة ومدرسا في غارات أمريكية وإسرائيلية وحين تتكدس صور مدرسة ابتدائية في ميناب بمحافظة هرمزغان جنوب ايران وقد تحولت إلى ركام فوق أجساد أطفال فإن السؤال لا يعود سياسيا مجردا بل يصبح صرخة مدوية في وجه الضمير الإنساني هل استهداف المدنيين يحقق الهدف الأمريكي بإسقاط نظام طهران أم أن الهدف الحقيقي هو كسر المجتمع الذي يحيط به وبث الرعب في أوصاله حتى يستسلم أو ينفجر من الداخل

لا يخفى على عاقل بان إدخال المدارس والمستشفيات ( 10 مستشفيات ومراكز صحية منها مستشفى غاندي والهلال الاحمر وبهزيستي وطالقاني وخاتم الانبياء وغيرها ) وضعت في بنك الأهداف للقصف المباشر وهذا ليس تفصيلا عابرا في مشهد الحرب بل هو تحول خطير في تعريف العدو نفسه فحين يصبح الطالب هدفا والمريض مشتبها به والممرضة جزءا من معركة فإننا نصبح أمام انزلاق أخلاقي مدو يهدد أساس القانون الدولي الإنساني الذي يفرض التمييز الصارم بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية خاصة وان التقارير المتداولة عن قصف مدرسة للبنات تضم مئات الطالبات وعن استهداف مستشفى ونقل أطفال حديثي الولادة تحت أزيز الطائرات وانفجار الصواريخ لا يمكن تسويقها باعتبارها أضرارا جانبية عابرة بل هي جملة وقائع تطرح سؤالا مباشرا هل المدنيون ورقة ضغط لإسقاط النظام الإيراني وهل استهداف البنية المدنية هو الطريق الأقصر إلى تغيير السلطة في طهران

إذا كان الهدف المعلن هو مواجهة برنامج نووي أو ردع تهديد أمني فلماذا تمتد النيران إلى الصفوف الدراسية وغرف العمليات ولماذا يتزامن التصعيد مع حديث علني عن ضرورة أن يستولي الشعب الإيراني على السلطة أليس في ذلك اعتراف ضمني بأن الحرب تجاوزت حدود الردع إلى محاولة هندسة المشهد السياسي بالقوة وإن الرهان على كسر ظهر المجتمع الايراني لإسقاط النظام بات رهان قصير النظر فالتاريخ يعلم أن المجتمعات حين تشعر بأنها مستهدفة في أطفالها ومرضاها قد تلتف حول سلطتها مهما بلغت خلافاتها الداخلية وهل يدرك صناع القرار الامريكيين والاسرائيليين أن تحويل المدنيين العزل إلى أهداف عسكرية قد يمنح خصومهم شرعية جديدة ويقوض ما يعلنونه من شعارات مزيفة بالدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان

من الناحية الاستراتيجية البحتة إن استهداف البنية المدنية لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار النظام بل قد يعزز منظومته الأمنية ويبرر مزيدا من القبضة الصارمة بحجة حالة الحرب والأنظمة التي تواجه تهديدا خارجيا مباشرا غالبا ما تعيد ترتيب أولوياتها الداخلية وتستثمر في خطاب الصمود والسيادة وتحشد قطاعات واسعة من المجتمع خلفها وهنا قد يتحول الضغط العسكري إلى أداة تعبوية داخلية تعيد إنتاج الشرعية بدل أن تسقطها ويصبح المواطن المدني الذي يفترض أنه أداة ضغط وقودا لرواية وطنية تعمق الاستقطاب وتطيل أمد الصراع

كما أن توسيع دائرة الاستهداف لتشمل المدارس والمستشفيات يفتح المجال أمام تصعيد إقليمي اوسع وغير محسوب إذ قد ترى أطراف أخرى في المنطقة أن تجاوز الخطوط الحمراء يهدد أمنها الجماعي وتندفع إلى ردود فعل مباشرة أو غير مباشرة ما يحول المواجهة من صراع ثنائي إلى ساحة اشتباك متعددة الأطراف وعندها لا يعود الحديث عن إسقاط نظام بعينه بل عن إعادة تشكيل المنطقة عبر الفوضى المنظمة وهو مسار يحمل مخاطر استراتيجية على المصالح الأمريكية ذاتها قبل غيرها ويقوض الاستقرار الدولي على المدى البعيد

تكرار الحديث عن ضربة استباقية أو دفاع وقائي لا يبرر قانونا ولا أخلاقا قصف منشآت تعليمية وصحية محمية بحكم طبيعتها وميثاق الأمم المتحدة لا يجيز استخدام القوة إلا في حالات محددة وصارمة وما دون ذلك يبقى خروجا على نظام دولي تأسس لمنع تكرار مآسي الحروب الكبرى وإذا جرى التطبيع مع استهداف المدارس والمستشفيات تحت أي ذريعة فإن العالم يفتح الباب أمام مرحلة تصبح فيها المجتمعات نفسها ساحات حرب مفتوحة بلا خطوط حمراء

العدوان الامريكي الاسرائيلي على إيران يبدو في مشاهده وتفاصيله صورة منسوخة عما جرى في غزة من تدمير واسع للمدارس والمستشفيات والمرافق المدنية والمؤسسات العامة حتى يكاد المشهد يتكرر بالزوايا ذاتها وباللغة والمنطق نفسه وهو ما يطرح تساؤلا خطيرا حول المخطط والعقل الأمني الذي يدير هذه العمليات فإذا كان النمط واحدا والأهداف المدنية تتكرر فإن الاتهام يتجه نحو جيش الاحتلال الإسرائيلي بوصفه صاحب الخبرة الطويلة في هذا النوع من الحروب حيث يتحول المجتمع بأكمله إلى ساحة استهداف وتغدو أمريكا في هذا السياق مجرد يد البطش التي تنفذ بلا رحمة ولا عقل سياسي رصين مكتفية بتوفير الغطاء والقوة النارية بينما تتوارى الأسئلة الأخلاقية خلف دخان القصف

ختاما : رسالتنا إلى المجتمع الدولي والى الرأي العام الأمريكي على وجه الخصوص إن الصمت المستمر أمام استهداف الأطفال والمرضى ليس حيادا بل تخليا عن أبسط المبادئ الإنسانية وإن غوغائية القرار وطيش الاندفاع خلف حسابات ضيقة أو تحالفات غير متوازنة قد تدفع المنطقة إلى حريق شامل لا يمكن السيطرة عليه وإن دعم سياسات غير اخلاقية تقوم على القوة العارية وتستهدف البنية المدنية لن يصنع أمنا دائما لأحد ولن يحقق استقرارا للمنطقة بل سيؤسس لدورات عنف وانتقام عابرة للحدود وإن إسقاط الأنظمة إن حدث لا يبنى فوق أنقاض المدارس ولا فوق أجساد المرضى وأي مشروع سياسي يولد من رحم هذا الدمار سيبقى مطبوعا بوصمة الدم والعارا في جبين الإنسانية والسؤال الذي سيظل يطارد هذا العالم أي حضارة متفوقة هذه التي تبحث عن تغيير الحكام والانظمة عبر قصف دفاتر الأطفال وأجهزة التنفس في غرف الإنعاش وأي مستقبل ينتظر منطقة تتحول فيها حياة المدنيين إلى مجرد تفصيل هامشي في حسابات القوة والنفوذ والسيطرة

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى