بين الإغراء والضغط : هل تنزلق دمشق إلى حرب مع حزب الله ؟

د. مهدي مبارك عبد الله

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط برزت مؤشرات متزايدة على محاولات أمريكية لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة عبر الدفع باتجاه أدوار جديدة لقوى إقليمية صاعدة أو معاد تشكيلها وفي هذا السياق تبرز سوريا بوصفها ساحة اختبار معقدة حيث تسعى واشنطن إلى استثمار التغيير في بنية السلطة السورية لإدماج دمشق ضمن مقاربة أمنية إقليمية جديدة يكون من ضمن أهدافها الحد من نفوذ حزب الله دون الانخراط المباشر في مواجهة مفتوحة قد تتسع إلى نطاق إقليمي واسع

تستند هذه المقاربة إلى أدوات متعددة تجمع بين تقديم حوافز سياسية واقتصادية من جهة وممارسة ضغوط دبلوماسية وأمنية من جهة أخرى حيث تشير المعطيات إلى أن الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب تسعى إلى تشجيع دمشق على لعب دور أمني في الملف اللبناني سواء من خلال ضبط الحدود بشكل صارم أو التفكير في أشكال من التدخل غير المباشر في مسألة سلاح حزب الله وذلك في إطار وعود ضمنية تتعلق بتخفيف العزلة الدولية وإمكانية الانخراط في مشاريع إعادة الإعمار والحصول على دعم اقتصادي يساهم في تثبيت الاستقرار الداخلي السوري

في المقابل لا تخلو هذه السياسة من ضغوط واضحة تمارس على القيادة السورية الجديدة سواء عبر التلويح بإبقاء العقوبات أو عبر ربط أي انفتاح دولي حقيقي بمدى استعداد دمشق للانخراط في الترتيبات الأمنية الإقليمية التي ترغب بها واشنطن وهو ما يضع الرئيس السوري أحمد الشرع أمام معادلة معقدة تجمع بين إغراءات الانفتاح ومخاطر التورط في بداية صراع إقليمي مفتوح خصوصاً أن أي خطوة غير محسوبة قد تؤدي إلى تداعيات داخلية يصعب احتواؤها في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي والأمني في البلاد

المواقف السورية المعلنة تعكس صراحة قدراً كبيراً من الحذر حيث تؤكد دمشق دعمها للدولة اللبنانية ومؤسساتها بما في ذلك توجهات الرئيس اللبناني جوزاف عون نحو مبادرته بحصر السلاح بيد الدولة لكنها في الوقت ذاته تنفي وجود اي نية للتدخل العسكري المباشر داخل الأراضي اللبنانية وهو ما يشير إلى محاولة واضحة للفصل بين الموقف السياسي الداعم لمسار الدولة اللبنانية وبين الانخراط الميداني الذي قد يفتح أبواب مواجهة غير محسوبة مع قوات حزب الله

التردد السوري لا يرتبط فقط بالحسابات العسكرية بل أيضاً بإدراك عميق لطبيعة التوازنات الإقليمية حيث أن أي صدام مباشر مع حزب الله لن يبقى محصوراً في نطاق جغرافي ضيق بل قد يتحول إلى مواجهة أوسع مع قوى إقليمية أخرى وهو ما قد يعيد سوريا إلى دائرة الصراع التي تحاول الخروج منها بعد سنوات طويلة من الحرب كما أن البيئة الحدودية بين سوريا ولبنان تبقى شديدة الحساسية وقابلة للاشتعال بفعل أي احتكاك محدود قد يتطور بسرعة إلى تصعيد واسع

ضمن هذا الإطار تبرز مخاوف سورية واضحة من أن تكون هناك أطراف سواء إقليمية أو دولية تسعى إلى دفع الأمور نحو احتكاك ميداني على الحدود اللبنانية السورية بما يؤدي إلى استنزاف متبادل لكل من دمشق وحزب الله وهو سيناريو يخدم في نهاية المطاف الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على إضعاف جميع الأطراف المحيطة دون الانخراط في حرب برية شاملة الأمر الذي يجعل من احتمالات الانزلاق السوري غير المقصود إلى مواجهة قائمة حتى في حال غياب قرار سياسي مباشر بذلك غير واردة

كما أن إعادة تموضع سوريا ضمن شبكة علاقات إقليمية جديدة تشمل تقارباً مع بعض الدول العربية وتنسيقاً متزايداً مع الولايات المتحدة يضعها أمام اختبار دقيق يتعلق بقدرتها على تحقيق توازن بين متطلبات هذا الانفتاح وبين الحفاظ على استقرارها الداخلي وعدم الانجرار إلى أدوار تتجاوز قدراتها الحالية خاصة في ظل استمرار التحديات المرتبطة بإعادة الإعمار وبناء المؤسسات وتعزيز السيطرة الأمنية على كامل الجغرافيا السورية

في المحصلة، يبدو جليا أن الحديث عن دفع دمشق نحو مواجهة عسكرية مع حزب الله لا ينفصل عن محاولة أوسع لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في المشرق العربي حيث يتم استخدام مزيج من الإغراءات والضغوط لتوجيه سلوك الدول وإعادة تعريف أدوارها إلا أن نجاح هذه المقاربة يبقى رهناً بمدى قدرة سوريا على مقاومة الانزلاق إلى صراع لا يخدم أولوياتها الحالية وبمدى إدراكها ايضا أن كلفة الحرب قد تكون أعلى بكثير من أي مكاسب محتملة قد تُعرض عليها في سياق هذه الترتيبات المعقدة

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى