الوساطة والضغوط

إلهام لي تشاو

في ظل استمرار التصعيد الناتج عن الضربات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، بدأت ملامح مسارين مختلفين تتشكل في مسار الأزمة: مسار يسعى إلى التهدئة عبر الوساطة، وآخر يقوم على تصعيد الضغوط العسكرية والاستراتيجية.
هذا التباين يتجلى بوضوح في تحركات ومواقف الصين والولايات المتحدة. فقد قام المبعوث الصيني الخاص للشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة بزيارة عدة دول في المنطقة، وأجرى مشاورات مع مختلف الأطراف حول تطورات الوضع. في المقابل، ورغم الانخراط الأمريكي العميق في الصراع، لم يظهر حتى الآن مسار دبلوماسي مماثل يهدف بشكل مباشر إلى خفض التصعيد.
ويزداد هذا التباين وضوحا في الخطاب العلني. فقد شدد المبعوث الصيني خلال جولته على ضرورة الدفع نحو وقف إطلاق النار، ومنع توسع الصراع، وحث جميع الأطراف على ضبط النفس واللجوء إلى الحوار، مؤكدا أن أمن واستقرار منطقة الخليج يجب ألا يتعرضا للخطر. في المقابل، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بلاده ستواصل الرد بقوة على إيران، مشيرا إلى أنه طلب من عدة دول حليفة الانضمام إلى ترتيبات أمنية في مضيق هرمز، ومحذرا من أن أي تصعيد إضافي سيقابل بإجراءات أكثر حسما. هكذا يتقابل خطاب التهدئة والحوار مع خطاب الردع والضغط.
من حيث الإيقاع العملي، يعكس التحرك الصيني نمطا واضحا في إدارة الأزمات. فبعد تصاعد التوتر، أجرى وزير الخارجية الصيني اتصالات مع عدد من نظرائه في إيران والسعودية والإمارات وعمان، قبل أن ينتقل التحرك إلى مستوى المبعوث الخاص، بما يشير إلى دخول مرحلة التواصل المباشر والسعي لاحتواء التصعيد.
في المقابل، تظل التحركات الأمريكية المعلنة مركزة على الأدوات العسكرية والسياسية. ويعكس ذلك منطقا يقوم على استخدام الضغط لصياغة بيئة تفاوضية، حيث قد يُنظر إلى إطلاق مسار وساطة مبكر على أنه تقليل من فعالية الردع.
غير أن أولويات دول الخليج تبدو مختلفة. فمع تزايد مخاطر امتداد الصراع، يصبح السؤال الأساسي ليس من يحقق تفوقا عسكريا، بل ما إذا كان بالإمكان إبقاء الأزمة ضمن حدود يمكن التحكم بها. وفي هذا السياق، يكتسب الدور الذي يدفع نحو التهدئة أهمية متزايدة.
إن تحرك الصين يعكس أيضا طبيعة مصالحها المتشابكة في المنطقة، حيث ترتبط بعلاقات مع إيران ودول الخليج على حد سواء، ما يدفعها إلى تفضيل الاستقرار الإقليمي، والعمل على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة تحسبا لأي فرصة للحل السياسي.
في المحصلة، فإن التوازي بين الوساطة والضغط في هذه الأزمة لا يعكس مجرد اختلاف في الأدوات، بل اختلافا في مقاربة إدارة الصراع. وفي مرحلة تتسم بارتفاع مستوى عدم اليقين، قد لا يكون العامل الحاسم هو حجم القوة المستخدمة، بل القدرة على تقليص مساحة المخاطر.
بالنسبة لمعظم دول المنطقة، تبدو المعادلة واضحة: الأهم ليس من سينتصر، بل ما إذا كان يمكن منع الأزمة من الخروج عن السيطرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى