الانهيارات الأرضية في الأردن: خطر جيومورفولوجي يفاقمه التغير المناخي

كتب أ.د. محمد الفرجات
تُعد الانهيارات والانزلاقات الأرضية من أخطر الظواهر الجيومورفولوجية التي تتكرر في الأردن خلال وبعد العواصف المطرية، خاصة في المناطق الجبلية الشفوية المرتبطة بمنظومة صدع البحر الميت، والتي تمتاز بوعورة تضاريسها وميولها الحادة وكثرة تكشفاتها الصخرية.
هذه المناطق، الممتدة من شمال المملكة إلى جنوبها عبر الأغوار وحواف المرتفعات، تُظهر حساسية عالية لأي تغيرات هيدرولوجية مفاجئة.
أولاً: لماذا تزداد الانهيارات في هذه المناطق؟
تتداخل عدة عوامل جيولوجية وهندسية لتجعل هذه البيئات أكثر عرضة للانزلاقات، من أبرزها:
التركيب الجيولوجي الضعيف
وجود طبقات طينية أو مارلية ضمن التتابع الصخري يؤدي إلى ضعف التماسك، حيث تعمل هذه الطبقات كـ”سطح انزلاق” عند تشبعها بالمياه.
زاوية ميل الطبقات واتجاهها
عندما تميل الطبقات باتجاه المنحدر أو القطع الهندسي (كما في الطرق الجبلية)، فإنها تصبح مهيأة للانزلاق بفعل الجاذبية.
التشققات والفواصل والتصدعات
تنتشر هذه الظواهر بكثرة في مناطق الصدوع النشطة، مثل الصدوع التكتونية، وتعمل كممرات لتغلغل المياه، مما يزيد الضغط المسامي داخل الصخور.
التشبع بالمياه بعد العواصف
يؤدي تسرب مياه الأمطار إلى:
زيادة وزن الكتلة الصخرية
تقليل معامل الاحتكاك الداخلي
وهما عاملان حاسمان في تحفيز الانزلاقات.
القطعيات الهندسية غير المدروسة
الطرق الجبلية، خاصة في مناطق مثل الشراه والأغوار، غالباً ما تُنشأ بقطعيات حادة دون تدعيم كافٍ، مما يخلق واجهات صخرية غير مستقرة.
ثانياً: البعد الجغرافي – مناطق الخطر في الأردن
تتركز هذه الظاهرة في:
حواف وادي الأردن المرتبطة بـ وادي الأردن
المرتفعات الغربية (السلط، عجلون، الكرك، الشراه)
الطرق الجبلية ذات الانحدارات الحادة
المناطق التي تتقاطع فيها البنية التكتونية مع النشاط البشري
هذه المناطق ليست فقط ذات حساسية جيولوجية، بل تشهد توسعاً عمرانياً وسياحياً متزايداً، ما يرفع مستوى المخاطر على الأرواح والبنية التحتية.
ثالثاً: الآثار والتداعيات
إغلاق الطرق الحيوية وتعطيل الحركة الاقتصادية
تهديد السلامة العامة، خاصة في المناطق السياحية
تدمير البنية التحتية (طرق، خطوط مياه، كهرباء)
زيادة كلف الصيانة والإصلاح على الدولة
رابعاً: الحلول المقترحة – نحو إدارة مخاطر متكاملة
1. الحلول الهندسية
تثبيت المنحدرات باستخدام الجدران الاستنادية، والشبكات المعدنية (Rockfall nets)
تصميم القطعيات الهندسية وفق زاوية الأمان الجيولوجي
استخدام المسامير الصخرية (Rock bolts) لتثبيت الكتل غير المستقرة
إنشاء أنظمة تصريف فعالة لتقليل تشبع التربة
2. الحلول الجيولوجية والتخطيطية
إعداد خرائط حساسية الانزلاقات الأرضية (Landslide Susceptibility Maps) باستخدام GIS
منع أو تقييد البناء في المناطق عالية الخطورة
إدخال دراسات الاستقرار الصخري كشرط إلزامي قبل تنفيذ المشاريع
3. الحلول البيئية
إعادة التشجير بالنباتات المحلية لتثبيت التربة
الحد من إزالة الغطاء النباتي، خاصة في المنحدرات
4. الحلول المؤسسية
إنشاء نظام إنذار مبكر يعتمد على مراقبة الأمطار والتشبع الأرضي
تعزيز التنسيق بين البلديات، وزارة الأشغال، وهيئة المساحة الجيولوجية (التي يحب أن تنشأ)،
تدريب الكوادر المحلية على تقييم المخاطر الجيولوجية
5. الحلول البحثية
دعم الأبحاث التطبيقية في الجامعات الأردنية حول ديناميكية الانزلاقات
الاستفادة من تقنيات الاستشعار عن بعد والرادار الأرضي
خامساً: رؤية مستقبلية
في ظل التغير المناخي، يُتوقع ازدياد شدة وتكرار العواصف المطرية، ما يعني أن مخاطر الانهيارات الأرضية ستتفاقم. لذلك، فإن التعامل مع هذه الظاهرة يجب أن ينتقل من رد الفعل إلى التخطيط الاستباقي، عبر دمج الجيولوجيا في صلب القرار التنموي.
إن مناطق الحواف الجبلية المرتبطة بصدع البحر الميت في الأردن تمثل بيئات هشة جيولوجياً، تتطلب إدارة دقيقة ومتقدمة. ومع تزايد الضغوط المناخية والبشرية، فإن الاستثمار في فهم هذه الظواهر ومعالجتها ليس خياراً، بل ضرورة وطنية لحماية الإنسان والمكان.




