“بين ما نُخفيه وما نعيشه ارتباك الإنسان في زمنٍ مثقل”

د. عمّار محمد الرجوب

ليس أثقل على الإنسان من أن يعيش حياتين في آنٍ واحد؛ حياةً يراها الناس، وأخرى يدفنها في صمتٍ عميق لا يسمعه أحد. كأننا نسير في هذا العالم بوجوهٍ مصقولة، تخفي خلفها ارتجافاتٍ لا تهدأ، وقلوبًا تتقن الابتسام وهي مثقلة بما لا يُحتمل. في هذا الزمن، لم يعد الألم يُقال، بل يُدارى، ولم تعد الحقيقة تُروى، بل تُختصر في ملامح عابرة، في صمتٍ طويل، في نظرةٍ تهرب من مواجهة ذاتها.
نُخفي لأننا تعلّمنا أن الضعف لا يُغتفر، وأن الانكسار تهمة، وأن البوح قد يُساء فهمه أكثر مما يُفهم. فنُجيد التماسك، ونُتقن ترتيب الكلمات، ونُبرع في إقناع العالم بأننا بخير… بينما نحن في الداخل نُعيد ترميم ما تهدّم بصمتٍ لا يُرى. وما بين ما نُخفيه وما نعيشه، تنشأ تلك المسافة الخفية التي تُربكنا؛ مسافة بين حقيقتنا وصورتنا، بين ما نشعر به وما نُجبر على إظهاره.
لكن ما لا ننتبه له، أن ما نُخفيه لا يختفي… بل يتحوّل. يتسرّب إلى ملامحنا دون إذن، يسكن نبرة صوتنا، ويظهر في ارتباك الصمت أكثر من ضجيج الكلام. كأن داخل الإنسان ذاكرة أخرى، لا تُمحى، تُعيد ترتيب وجعه بصيغٍ مختلفة، وتُعيد تقديمه للحياة كل مرة بثوبٍ جديد. نحن لا ننسى… نحن فقط نُغيّر طريقة حضور ما لا يُنسى، ونُقنع أنفسنا أن السيطرة ممكنة، بينما الحقيقة أننا نتقن فقط تأجيل الانكشاف.
ثم هناك ذلك الشعور الغامض، الذي لا اسم له… حين يُدرك الإنسان، ولو للحظة، أن كل ما يعيشه ليس إلا طبقةً رقيقة فوق عمقٍ لا يُقاس. كأن الروح تعرف أكثر مما نقوى على احتماله، وكأن في داخلنا حقيقةً صامتة، تراقبنا ونحن نحاول تفسير أنفسنا بوسائل لا تكفي. في تلك اللحظة تحديدًا، لا يكون الارتباك ضعفًا، بل اقترابًا مربكًا من شيءٍ أكبر… شيءٍ لا يُفهم، لكنه يُشعر، ولا يُقال، لكنه يغيّرنا دون أن ندري.
وربما الأخطر من كل ذلك، أن الإنسان مع الوقت يعتاد هذا الانقسام، حتى يُصبح جزءًا من تعريفه لذاته. فيكفّ عن البحث عمّا كانه في الأصل، ويكتفي بما يبدو عليه الآن. ينسى صوته الحقيقي، ويُصدّق الصدى. وهنا، لا يكون الضياع في فقدان الطريق، بل في فقدان الرغبة في العودة إليه. كأننا نُقيم داخل نسخٍ مُعدّلة من أنفسنا، نُجيد العيش فيها، لكننا لا ننتمي إليها.
وفي زاويةٍ خفيّة من الروح، حيث لا يصل ضجيج العالم، تبقى هناك بقايا من ذلك النقاء الأول… شيءٌ لم تُدنّسه التبريرات، ولم تُشوّهه المجاملات، ولم تُطفئه الخيبات تمامًا. يطلّ أحيانًا كوميضٍ عابر، كحنينٍ بلا سبب، كدمعةٍ لا نعرف لمن كانت. ذلك الجزء تحديدًا، هو ما يُبقينا أحياء على نحوٍ أعمق، وهو ما يُذكّرنا—بغموضٍ مُربك—أننا لم نكن خُلقنا لنكون بهذا الثقل.
الإنسان في هذا الزمن لا يتعب من الحياة بقدر ما يتعب من تمثيلها. من ارتداء الأقنعة التي لا تشبهه، من مجاراة إيقاعٍ لا ينسجم مع روحه، من محاولة النجاة دون أن يُظهر أنه يغرق. إننا نُتقن العبور فوق جراحنا، لكننا ننسى كيف نلتئم. نُجيد الصمت، لكننا نجهل كيف نصغي لأنفسنا حين تصرخ في الداخل.
وفي خضم هذا الارتباك، تبدأ النفس بالتشظي؛ لا لأنها ضعيفة، بل لأنها محاصرة بين حقيقتين: حقيقة تريد أن تُقال، وأخرى فُرض عليها أن تُعاش. وهنا، يصبح الإنسان غريبًا عن نفسه، يتساءل دون صوت: هل أنا ما أُظهره… أم ما أخفيه؟ وأيّهما أصدق: صمتي أم ابتسامتي؟
وربما لا نستطيع أن نُغيّر قسوة هذا الزمن، لكننا نستطيع أن نُخفف من قسوته داخلنا. أن نُعيد تعريف القوة، لا باعتبارها صلابةً لا تنكسر، بل قدرةً على الاعتراف والانبعاث. أن نُدرك أن الإنسان لا يُقاس بما يُخفيه، بل بقدرته على مواجهة ما يُخفيه دون أن ينهار.
وفي النهاية، سيبقى السؤال معلقًا في أعماق كل إنسان: إلى متى سنُجيد التمثيل… ونفشل في أن نكون نحن؟
“ليس أخطر ما يعيشه الإنسان أن ينكسر، بل أن يُجبر على إخفاء انكساره حتى ينسى ملامحه.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى