حين أصبحت العدالة الدولية متهمة … لماذا انتقم ترامب من المحكمة الجنائية الدولية ؟

د . مهدي مبارك عبد الله

التحليل السياسي لا يهدف إلى إثبات ما نتمناه وإنما إلى تفسير ما يحدث لهذا ينبغي أن يبقى مرتبطًا بالوقائع والمؤشرات لا بالرغبات أو الانحيازيات المسبقة

لم يكن قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض عقوبات على عدد من قضاة المحكمة الجنائية الدولية مجرد إجراء سياسي عابر أو رد فعل دبلوماسي تقليدي على قرارات قضائية لم ترق لواشنطن بل بدا وكأنه إعلان مواجهة مفتوحة مع واحدة من أهم المؤسسات القضائية الدولية التي أُنشئت لتكون فوق الحسابات السياسية وموازين القوى خاصة وان الحدث تجاوز حدود الخلاف القانوني حول الاختصاص أو الولاية القضائية ليتحول إلى معركة تتعلق بجوهر العدالة الدولية نفسها وبحق القاضي في أن يصدر حكمه وفقاً للقانون دون أن يخشى العقوبات أو الضغوط أو الانتقام.

لقد اعتاد العالم على أن تفرض الولايات المتحدة العقوبات على حكومات أو تنظيمات أو شخصيات سياسية أو عسكرية تتهمها بتهديد مصالحها أو الأمن الدولي وفق رؤيتها الخاصة لكن أن تمتد هذه العقوبات إلى قضاة دوليين بسبب أحكام قضائية صدرت عنهم أثناء ممارستهم لواجباتهم فإن ذلك يمثل تطوراً استثنائياً يثير أسئلة عميقة حول مستقبل استقلال القضاء الدولي وحدود النفوذ الأمريكي في النظام العالمي.

الرسالة الواضحة التي حملتها هذه العقوبات لا تقتصر على القضاة الثلاثة الذين استهدفتهم وإنما تتجاوزهم إلى كل قاض دولي قد يجد نفسه مستقبلاً أمام قضية تمس المصالح الأمريكية أو مصالح حلفائها وهنا لا يصبح السؤال كيف سيحكم القاضي وفق القانون بل كيف سيوازن بين مقتضيات العدالة وبين الثمن الشخصي والمهني والمالي الذي قد سيدفعه إذا اصدر حكمه بما لا ينسجم مع إرادة القوة الأعظم في العالم.

ربما ما يمنح هذه القضية بعداً استثنائياً أن العقوبات لم تستهدف نشاطاً سياسياً أو حزبياً أو مالياً وإنما استهدفت عملاً قضائياً خالصاً تم داخل مؤسسة دولية مستقلة أنشأتها الدول لتكون ملاذاً أخيراً للضحايا عندما تعجز الأنظمة الوطنية عن تحقيق العدالة أو تمتنع عن ذلك ومن هنا فإن استهداف القضاة بسبب أحكامهم يضع مبدأ استقلال القضاء الدولي أمام اختبار غير مسبوق ويثير المخاوف من أن تتحول العدالة الدولية إلى ساحة مفتوحة للصراع السياسي.

واقعيا لا يمكن فهم هذه الإجراءات بعيداً عن السياق السياسي الذي سبقها ومنذ أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية دخلت العلاقة بين المحكمة وواشنطن مرحلة جديدة اتسمت بقدر غير مسبوق من التصعيد حيث لم تعد القضية بالنسبة للإدارة الأمريكية مجرد خلاف قانوني حول اختصاص المحكمة بل أصبحت في نظرها مساساً مباشراً بأحد أهم حلفائها الاستراتيجيين في الشرق الأوسط.

البعض من المراقبين السياسيين يعيد جذور هذا التصعيد إلى ما قبل ذلك عندما سمحت المحكمة بفتح تحقيق في جرائم مزعومة ارتكبت في أفغانستان شملت مواطنين أمريكيين وهو ما اعتبرته الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاوزاً لحدود اختصاص المحكمة وتهديداً لسيادة الولايات المتحدة ولذلك فإن ما نشهده اليوم لا يمكن فصله عن تراكم طويل من التوتر بين واشنطن والمحكمة غير أن التطور الجديد يتمثل في انتقال الخلاف من مستوى الاعتراض السياسي إلى مستوى العقوبات الشخصية بحق القضاة أنفسهم.

إن خطورة هذا التحول لا تكمن فقط في طبيعته القانونية بل في أثره العميق على مفهوم العدالة الدولية ذاته والقاضي الذي يفترض أن يكون محمياً بضمانات الاستقلال والحياد أصبح في موقع قد يُعاقب مالياً ومهنياً لمجرد أن حكمه لم ينسجم مع مصالح دولة كبرى وهذا التطور يطرح إشكالية جوهرية حول ما إذا كانت المنظومة الدولية الحالية قادرة فعلاً على حماية قضاتها من الضغوط السياسية أم أن ميزان القوة لا يزال هو الحاكم الفعلي في نهاية المطاف.

الوقائع المشهودة التي رافقت العقوبات أظهرت أن تأثيرها لم يقتصر على الإطار الرمزي أو السياسي بل امتد إلى الحياة اليومية للقضاة المستهدفين بشكل مباشر حيث جرى تجميد حسابات مصرفية وتعليق خدمات مالية وحرمان من التأمين الصحي وتقييد في الحركة والسفر وصولاً إلى صعوبات في استخدام المنصات الرقمية والخدمات التقنية وهذا يعني أن العقوبات لم تكن مجرد أداة ضغط سياسية بل تحولت إلى وسيلة تمس تفاصيل الحياة الشخصية والمعيشية للقضاة بشكل يجعلهم في وضع يشبه العزلة القسرية عن النظام المالي العالمي.

هذا النوع من الإجراءات التجاوزية يثير نقاشاً قانونياً وأخلاقياً واسعاً حول حدود استخدام العقوبات الاقتصادية في العلاقات الدولية وبينما ترى بعض المدارس السياسية أن العقوبات وسيلة مشروعة للضغط على الخصوم الدوليين فإن تطبيقها على قضاة يمارسون وظيفة قضائية مستقلة يطرح سؤالاً مختلفاً تماماً يتعلق بمدى جواز استخدام أدوات الدولة الاقتصادية لإعادة تشكيل سلوك مؤسسة قضائية دولية يفترض أنها مستقلة عن الإرادات السياسية.

من زاوية أخرى عكست هذه الاجراءات عمق التوتر بين مفهومين متناقضين للعدالة الدولية حيث يفوم المفهوم الأول على فكرة أن القانون الدولي فوق الجميع وأن المؤسسات القضائية الدولية يجب أن تعمل دون خوف أو تدخل أما المفهوم الثاني فيرى أن هذه المؤسسات لا يمكن أن تعمل بمعزل عن توازنات القوة الدولية وأن قراراتها عندما تمس مصالح كبرى تصبح جزءاً من الصراع السياسي العالمي وبين هذين المفهومين تتأرجح المحكمة الجنائية الدولية اليوم في واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ تأسيسها.

استمرار التصعيد في هذا العمل يفتح الباب أمام تداعيات أوسع على مستقبل التعاون الدولي مع المحكمة والدول التي كانت تتعامل معها بوصفها جهة قضائية مستقلة قد تجد نفسها تحت ضغط متزايد لإعادة تقييم علاقاتها معها خشية التعرض لعقوبات ثانوية أو تبعات مالية أو سياسية غير مباشرة وهذا بدوره قد يؤدي إلى إضعاف قدرة المحكمة على تنفيذ قراراتها أو الوصول إلى ملفاتها أو حتى ضمان تعاون الشهود والضحايا.

في المقابل إن هذه الأزمة تعزز أيضاً من حضور النقاش العالمي حول ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي. وبينما تُشجع بعض الإجراءات القضائية الدولية في حالات معينة يتم رفضها أو معاقبة من يشارك فيها في حالات أخرى عندما تتقاطع مع مصالح الدول الكبرى وهذا التناقض يغذي شعوراً متزايداً بأن النظام الدولي ليس متوازناً بالكامل وأن العدالة فيه لا تزال عرضة لتأثيرات السياسة والقوة.

بعد اتساع دائرة الجدل لم تعد القضية محصورة في العلاقة بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية فقط بل بدأت تمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بمصير النظام القانوني الدولي برمته وإذا كان القاضي الدولي نفسه يمكن أن يصبح هدفاً للعقوبات فإن ذلك يعني عملياً أن الحصانة التي يفترض أن يتمتع بها القضاء الدولي لم تعد مطلقة بل أصبحت قابلة للاختراق متى ما تعارضت الأحكام القضائية مع الإرادة السياسية للدول الأكثر نفوذاً.

هذا التحول الغريب انعكس بشكل مباشر على مفهوم الردع داخل المنظومة الدولية وبدلاً من أن يكون الردع موجهاً ضد مرتكبي الجرائم الخطيرة أصبح هناك خشية من أن يتحول إلى ردع مضاد موجه ضد القضاة والمدعين العامين أنفسهم وهو ما يخلق حالة من التردد أو الحذر المفرط في التعامل مع القضايا الأكثر حساسية سياسياً خصوصاً تلك التي تتعلق بجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية في مناطق النزاع الكبرى.

ضمن هذا السياق يمكن فهم العقوبات ليس فقط كإجراء عقابي بل كرسالة سياسية متعددة المستويات وهي من جهة تعبر عن رفض واضح لتوسيع نطاق ولاية المحكمة الجنائية الدولية على حساب السيادة الوطنية كما تراها الولايات المتحدة ومن جهة أخرى تعكس استعداداً لاستخدام أدوات القوة الاقتصادية لإعادة ضبط حدود الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات القضائية الدولية عندما تقترب من الملفات التي تعتبرها واشنطن خطاً أحمر.

الإشكالية الأساسية التي يثيرها هذا النهج تكمن في أنه يضعف الثقة العامة في حياد النظام القضائي الدولي وعندما يرى الرأي العام العالمي أن قضاة دوليين يمكن أن يتعرضوا لعقوبات شخصية بسبب قراراتهم القضائية فإن ذلك قد يؤدي إلى تآكل الإيمان بفكرة العدالة الدولية نفسها باعتبارها منظومة مستقلة عن السياسة. وهذا التآكل لا يحدث بشكل فوري بل يتراكم تدريجياً عبر الزمن حتى يصبح جزءاً من الوعي العام.

على ارض الواقع أن انعكاسات هذه السياسة لا تقتصر على المحكمة الجنائية الدولية وحدها بل تمتد إلى كل المؤسسات متعددة الأطراف التي تعتمد على التعاون الدولي لتنفيذ قراراتها وكلما توسعت دائرة استخدام العقوبات ضد الفاعلين القضائيين أو القانونيين كلما ازدادت صعوبة بناء توافق دولي حول آليات العدالة العالمية وهو ما قد يعيد إنتاج حالة من الانقسام داخل النظام الدولي بين دول تمتلك القدرة على فرض إرادتها ودول تسعى إلى الاحتكام للقانون.

وفق رؤية تحليلية أعمق يمكن القول إن هذه الممارسات تكشف عن التوتر البنيوي بين منطق القوة ومنطق القانون في العلاقات الدولية وبينما يسعى القانون الدولي إلى فرض قواعد عامة ومجردة تنطبق على الجميع تسعى السياسة الدولية في كثير من الأحيان إلى إعادة تعريف هذه القواعد وفقاً لموازين القوة والمصلحة. وفي اللحظات التي يتصادم فيها المنطقان تظهر مثل هذه الأزمات الحادة التي تعيد طرح السؤال القديم الجديد حول ما إذا كان القانون الدولي قادراً فعلاً على تقييد القوة أم أنه لا يزال في كثير من الحالات امتداداً لها بشكل غير مباشر.

لعل اكبر ما تكشفه هذه اللحظة ليس حجم العقوبات ولا نطاق تأثيرها المباشر على الأفراد بل الرسالة الرمزية التي تحملها إلى كل من يعمل في منظومة العدالة الدولية مفادها أن الحكم القضائي لم يعد فعلاً محايداً بالكامل بل قد يُقرأ سياسياً وقد يُقابل برد سياسي وقد يُترجم إلى كلفة شخصية باهظة تطال حياة القاضي وبيئته وحقوقه الأساسية وهنا يبدأ التآكل الصامت لفكرة الحصانة القضائية الدولية.

إذا كان منطق القوة قد نجح في هذه الحالة بفرض حضوره عبر أدوات مالية وقانونية وتقنية فإنه في المقابل يفتح الباب أمام سؤال أكثر خطورة حول مستقبل النظام الدولي نفسه هل نحن أمام مرحلة يعاد فيها تعريف العدالة بوصفها امتداداً لتوازنات القوة أم أننا أمام لحظة مقاومة أخيرة تحاول فيها المؤسسات القضائية الدولية الحفاظ على ما تبقى من استقلالها في عالم يزداد فيه التسييس.

ختاما : فإن هذه القضية تضع العالم أمام مفترق طرق حقيقي إما تعزيز منظومة العدالة الدولية عبر تحصينها من الضغوط وإما الانزلاق التدريجي نحو عالم تصبح فيه العدالة رهينة لموازين القوة لا للقانون. وبين هذين الخيارين يتحدد مستقبل النظام الدولي ودرجة إيمانه بفكرة أن القانون يمكن أن يعلو على السياسة وحين يُستخدم سيف القوة بدل ميزان العدالة وتُستبدل لغة القانون بمنطق الانتقام فإن العدالة الدولية لا تُلغى صراحة لكنها تُترك مكشوفة تحت تهديد دائم يجعلها تعمل في ظل الخوف لا تحت ضوء الاستقلال وهنا فقط تتحول المؤسسات القضائية من أدوات لإنصاف الضحايا إلى ساحات اختبار لهيبة الدول القادرة على فرض إرادتها ولو على حساب روح العدالة ذاتها.

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى