تركيا تنتفض لغزة والعرب غارقون في الصمتٍ والتواطؤ !

مهدي مبارك عبد الله
في وقتٍ يتصاعد فيه الغضب الشعبي العربي وتحاصر فيه الضمائر خلف أسوار البيانات الباهتة والمواقف الرسمية المرتبكة وفي زمنٍ تحول فيه الدم الفلسطيني إلى مجرد خبر عابر على الشاشات وبينما تتحرك جثث الأطفال في غزة من تحت الركام إلى صفحات الإحصاءات الباردة تتسابق الأنظمة العربية إلى الصمت المذل أو التواطؤ السافر لتبادر أنقرة بالاعلان عن خطوة عملية ولو متأخرة بقطع التجارة مع الاحتلال ومنع الطيران الإسرائيلي من دخول الأجواء التركية ومنع السفن من التوجه إلى موانئ الاحتلال وفي وقتٍ يظن فيه البعض أن هذا التحرك شجاع ويستحق التصفيق يظن آخرون أنه لا يعدو كونه استجابة متأخرة لضغوط شعبية وحسابات سياسية لكن السؤال الحقيقي ليس في نوايا أنقرة بل في خنوع العرب من الخليج إلى المحيط وما الذي يعيقهم عن اتخاذ خطوة واحدة تقول لإسرائيل كفى فهل أصبح الدفاع عن غزة جريمة سياسية وهل باتت كلفة التضامن أعلى من كلفة الخيانة
القرار التركي بوقف العلاقات التجارية مع إسرائيل الذي جاء على لسان وزير الخارجية هاكان فيدان خلال جلسة طارئة للبرلمان التركي خُصصت لمناقشة الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في القطاع ووصفها وزير الخارجية التركي بأنها من أظلم الصفحات في تاريخ البشرية الحديث لم يكن حدثًا عاديًا فقد جاء بعد شهور من المجازر المفتوحة في قطاع غزة التي هزّت ضمير العالم بأسره
القرار على اهميته أثار ضجيجًا سياسيًا لا يمكن قراءته بعين واحدة خاصة وانه منذ بداية العدوان الإسرائيلي حافظت تركيا على علاقاتها التجارية والدبلوماسية مع تل أبيب ولم تتوقف السفن المحمّلة بالبضائع التركية عن التوجه نحو الموانئ الإسرائيلية بل ازدهرت التجارة بيتهما في وقت كان فيه الحوثيون يفرضون احصارا مطبقا على البحر الأحمر والذي شكل ضربة مباشرة للإمدادات الإسرائيلية في حين بقيت تركيا تملأ الفراغ الغذائي عبر صادرات يومية دون خجل أو تردد
في الوقت الذي صعد فيه أردوغان المنصات لإلقاء خطاباته الثورية في المؤتمرات الجماهيرية استمرت العلاقات الاستخباراتية والاقتصادية في مجراها الطبيعي واستمرت التضييقات على بعض الفلسطينيين في الداخل التركي بل وأثيرت تقارير عن تسهيلات قُدّمت في ملفات حساسة لم تكن تنسجم مع ما يقال في الإعلام فهل كان هذا التحرك فعلًا أخلاقيًا خالصًا أم استجابة للضغوط الداخلية وتحركًا لحفظ ماء الوجه في وجه شارع غاضب هذا ما لا بد من التوقف عنده
لهذا لا يمكن وصف القرار التركي الأخير بأنه تحول جوهري بل هو أقرب إلى رد فعل على ضغط شعبي داخلي وتوازنات إقليمية متغيرة وأكثر من ذلك فهو في جوهره كشف لعجز الآخرين لا مدح لموقف أنقرة فأن تتحرك تركيا بعد هذا التردد الطويل وتحرج العواصم العربية التي تملك من الإمكانات والثروات أضعاف ما تملكه أنقرة فتلك هي المفارقة المؤلمة التي تفضح المشهد برمته
الخطوة التركية وإن كانت متأخرة ومثقلة بالتناقضات إلا أنها على محدوديتها تطرح سؤالًا كبيرًا لماذا لم يقدم القادة العرب على خطوات مماثلة وما المانع من استخدام الضغط الاقتصادي والدبلوماسي كورقة ردع في وجه الاحتلال الذي لا يتراجع إلا حين يدفع الثمن ولماذا غابت أدوات السيادة المزعومة عن عواصم ترفع راية الاسلام ولواء العروبة وتكثر الحديث عن الحقوق والكرامة بينما تقف عاجزة أو مترددة حين يتعلق الأمر بفلسطين وشعبها المذبوح
الحقيقة ليس مطلوبًا من العرب أن يعلنوا الحرب على اسرائيل وليس مفروضًا عليهم أن يقطعوا علاقاتهم معها بالكامل لكن أين التدرج في الرد وأين الإجراءات الرمزية التي يمكن أن تعبّر عن الحد الأدنى من التضامن الفعلي لا الخطابي وإن الدول التي تقيم علاقات طبيعية مع إسرائيل يمكنها أن تجمد تلك العلاقات مرحليًا ةأن تستدعي سفراءها وتوقف التبادل التجاري وتضغط في المحافل الدولية وأن تدعم المقاومة سياسيًا وأن تتحرك قانونيًا ضد جرائم الحرب وليس أن تتعامل مع الإبادة وكأنها خلاف حدودي بسيط لا يستحق أكثر من بيان سياسي او صحفي ناعم
السؤال المطروح بقوة لماذا لا يستخدم سلاح المقاطعة الاقتصادية الآن ضد كيان ارتكب وما زال يرتكب جرائم إبادة بحق شعب أعزل بل لماذا لم تشكل إلى الآن كتلة عربية أو إسلامية أو حتى تحالف إنساني دولي يفرض عزلة اقتصادية ودبلوماسية حقيقية على إسرائيل توازي حجم الجرائم المرتكبة في غزة والضفة والقدس خاصة بعدما أثبتت الأحداث والتجارب أنها يمكن أن تكون فاعلة ومؤثرة ويمكنها ان تربك حسابات الاحتلال وتضعف صورته أمام الرأي العام العالمي وهذا بحد ذاته مكسب مرحلي مهم لكنه يظل ناقصًا ما لم تتحول هذه الخطوة إلى مدخل لتحرك أوسع عربيًا وإسلاميًا من أجل عزل إسرائيل دبلوماسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا وتوسيع جبهة الضغط على الاحتلال في كل المحافل الاقليمية والدولية فالغرب طالما استخدمه ضد دول عدة لأهداف سياسية دون أن يجد في ذلك أي خطأ او حرج
الشعوب العربية لم تقصر يوما بحق غزة واهلها حيث خرجت في الشوارع وقاطعت المنتجات الإسرائيلية أو الداعمة لها وأطلقت حملات إلكترونية وصفت أوجاع غزة بكل اللغات لكنها تبقى شعوب بلا سلطة او قوة وان صوتها يعلو فقط حين تسقط الأقنعة وتخرس الحكومات أما الصوت الذي كان يجب أن يُسمع فهو صوت الموقف العربي الرسمي الذي ما زال خافتًا أو غائبًا أو مريبًا
تركيا وإن كانت تتحرك وفق أجندتها السياسية إلا أنها قدمت نموذجًا بسيطًا لما يمكن فعله بينما ما زال العرب يفكرون في رد الفعل المناسب كما لو أن المذابح تنتظر قراراتهم و أن أطفال غزة سيمهلونهم حتى يُرتبوا مصالحهم قبل أن يموتوا قصفا وجوعا
أخطر ما نواجهه اليوم ليس فقط التواطؤ الدولي أو الانحياز الغربي السافر بل هو شعور جزء من الأنظمة العربية أن الدفاع عن غزة قد يُفقدها شرعيتها أمام حلفائها الدوليين أو يؤثر على علاقاتها الجديدة مع العدو الإسرائيلي ولذلك فإن ما فعلته تركيا رغم تحفظاتنا عليه كشف خواء المشهد العربي وغياب أي مبادرة تخرج من قلب المنطقة نفسها بدلًا من أن تُترك القيادة لأنقرة أو لطهران أو لحركات المقاومة المنفردة في حين أن كثيرًا من العواصم العربية الكبيرة التي تملك من الثروات والقدرات والأدوات ما زالت تلتزم الصمت أو تقدم على خطوات تطبيعية علنية وكأن الدم الفلسطيني فقد قيمته في بورصة المصالح السياسية والصفقات العابرة
الملاحظ بصورة لافتة انه رغم كل التناقضات التركية التي نعرفها فإن اتخاذ خطوة عملية بهذا الحجم من شأنه أن يحرج الجميع ويكشف الفارق بين الفعل والكلام خاصة وأنها ليست معجزة ولا تتطلب قدرات خارقة بل هي في الواقع الحد الأدنى من السلوك السيادي الذي يجب أن يصدر عن أي دولة ترى نفسها جزءًا من قضايا أمتها وملتزمة بواجباتها الأخلاقية تجاه العدالة وحقوق الإنسان
لن نجمّل ما لا يجمّل ولن نبحث عن بطولات في زمن الهزيمة فما فعلته أنقرة خطوة متأخرة لا تمحو سنوات من التطبيع والازدواج لكنها على عِلاتها تفضح من لم يفعلوا شيئًا وتري عواصم عربية واسلامية اكتفت بمشاهدة المجازر من مقاعد الراحة السياسية دون أن تهتز فيها قطرة من كرامة ولا ذرة من ضمير لقد وصلنا إلى لحظة الحقيقة إما أن نملك الجرأة لنقول إن العرب تخلوا عن فلسطين رسميًا أو أن نحلم من جديد بأن هناك ما يمكن إنقاذه في هذا المشهد المظلم أما غزة العزة والمقاومة والشرف العربي فهي لا تنتظر البيانات ولا تسعد بالخطابات بل تفتح دفتر مياومتها لتحصي أسماء من وقف معها ومن تخلى عنها وكل يوم يمضي دون موقف عربي حقيقي هو صفعة للضمير وخيانة للتاريخ وسقوط أخلاقي لا يمحى بالمناورات الإعلامية ولن تُغسله حسابات المصالح الانية
إذا كنا حقا نرفض التهويل الإعلامي والمبالغة في تصوير الموقف التركي إلا أن من واجبنا أن نسمي الأشياء بأسمائها أنقرة تحركت في وقت حرج وأربكت المشهد السياسي وفرضت على الجميع إعادة التفكير في جدوى مواقفهم أما من لم يتحرك فليس له عذر سوى العجز أو التواطؤ أو الحسابات التي لا مكان فيها لدماء الأطفال ولا لأنين الضحايا تحت الأنقاض
غزة لا تحتاج منا كلمات جديدة بل تحتاج أفعالًا وقرارات حازمة ومواقف لا تقرأ فقط من خلف الشاشات بل تحس على الأرض عبر تغيير حقيقي في ميزان القوى السياسية والاقتصادية تجاه الاحتلال وان استمرار السكوت عن هذا العدوان المتواصل يعني بالضرورة شراكة ضمنية فيه سواء بالصمت أو بعدم اتخاذ أي خطوة ذات أثر مباشر
اخيرا : لقد سقطت الأقنعة وانتهى زمن الشعارات الفضفاضة وآن الأوان لأن يُسأل كل صاحب قرار عربي لماذا لم تتخذ مثل هذه الخطوة أو ما هو الثمن الحقيقي الذي يمنعك من اتخاذ موقف بسيط في وجه آلة الإبادة التي تفتك بشعب غزة منذ سنتين بل منذ عقود وكم من طفل يجب أن يقتل وكم من عائلة يجب أن تباد كي تتحرك ضمائركم إن بقي لها نبض ويا من تملكون القرار ولا تجرؤون على اتخاذه أما آن الأوان أن تنتفضوا أو على الأقل ان تصمتوا خجلاً من شعوبكم ومن التاريخ الذي لن يرحمكم
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية