حين ينهض الضمير وتسقط عروش الوهم الفلسفة الخفية وراء التمييز بين المسؤول الحقيقي والمسؤول الزائف

د. عمّار محمد الرجوب
في بداية كل مرحلة من تاريخ الأمم، يظهر رجالٌ تتكسّر عند أقدامهم الفوضى، ورجالٌ تتكسّر عند أول خطوة لهم قيم الدولة. والمسافة بين الطرفين ليست مجرد فروق في القدرة أو الخبرة، بل فجوة عميقة تمتد من جوف الذات إلى ساحة القرار. فمنذ أن وُجدت السلطة، وُجد معها امتحان الضمير، وامتحان القوة، وامتحان الإنسان نفسه أمام رغباته. ولا شيء يكشف هذه الامتحانات مثل لحظة يُترك فيها المسؤول وحيدًا أمام نفسه، أمام مرآته الداخلية، حيث لا جمهور ولا كاميرا ولا سقف يحجب الحقيقة.
المسؤول الملتزم يبدأ معركته من حيث لا يراه أحد. يعرف أن بداية الفساد ليست صفقة ولا قرارًا سيئًا، بل لحظة تبرير صغيرة أمام النفس؛ لحظة يقول فيها: “هذه المرة فقط”، فتتحول “مرة” إلى عادة، والاعتياد إلى سقوط. ولذلك يعيش هذا النوع من الرجال تحت مراقبة ذاتية دائمة، يراجع كل خطوة، ويزن كل كلمة، ويقيس تأثير أي قرار قبل أن يراه الناس. إنه يعيش فكرة أن المنصب لا يعطي شرعية للخطأ، بل يعطي وزنًا للمحاسبة. ويعرف تمامًا أن السلطة ليست امتحانًا للآخرين، بل امتحانًا لقدرته على مقاومة ذاته.
أما المسؤول غير الملتزم، فهو يبدأ الهزيمة من الداخل قبل أن يخطئ خارجيًا. يعيش حالة من الجوع المستمر: جوع للظهور، للمديح، لإظهار ذاته أكبر من حجمها الحقيقي. يظن أن المنصب امتياز وليس عبئًا، وأن الناس لا تفهم، وأن التاريخ مجرد دفتر يمكن إعادة كتابته. لكنه ينسى أن أعين الناس ترى ما لا تُعلن شفاههم، وأن الضمير الجمعي للأمم لا ينسى من استهان بقيم العدل.
المسؤول الملتزم يعرف أنّ المنصب لا يُستحق بالكلام، بل بالثبات. لا يتباهى بالأرقام، لأن الأرقام قد تُجمَّل، بينما الأثر لا يمكن تزويره. يشبه شجرة متجذّرة؛ تُثمر بصمت، وتلتزم بقوانين النمو الطبيعي: جهد، صبر، وثبات. يذهب إلى مكتبه وكأنه ذاهب إلى معركة، لكنه يقاتل لأجل الناس لا لأجل صورته. لا يخشى أن يقول “لا”، ولا يخشى أن يعتذر، ولا يخشى أن يعترف أن القرار الصعب ليس دائمًا محبوبًا، لكنه ضروري لبقاء المؤسسة واقفة.
على المقابل يقف المسؤول غير الملتزم، يشبه ورقة في الهواء. يتلوّن، يتغيّر، لا موقف ثابت ولا قيمة ثابتة. اليوم يرفع شعارًا، وغدًا يرفع نقيضه، المهم أن لا تسقط صورته من الإطار. يعيش حالة من الهروب المستمر من ذاته، لأن المرآة تكشف هشاشته. يريد منصبًا أطول من ظله، لكنه لا يدرك أن الظلّ لا يطول إلا إذا وقف صاحبه في ضوء الحقيقة.
والمفارقة الكبرى أن المسؤول الملتزم يتعب أكثر، يُحمّل نفسه أكثر، ينام أقل، لكنه في النهاية يربح احترامًا لا يُشترى. بينما المسؤول غير الملتزم يبذل جهدًا مضاعفًا ليغطي عيوبه، يركض خلف كل فرصة ليظهر، لكنه يغيب عن جوهر ما يجب أن يكون. فالملتزم يبني، وغير الملتزم يُراكم الضجيج. الملتزم يصنع أثرًا، وغير الملتزم يصنع تواجدًا. والأثر يبقى، بينما التواجد يختفي مع مرور الوقت وكلما انطفأت الإضاءة.
إن الفرق بين الاثنين ليس إداريًا ولا تنظيميًا، بل نفسي وفلسفي. الأول يعيش المعنى، والثاني يعيش الوهم. الأول يواجه ذاته، والثاني يهرب منها. الأول يعرف أن السلطة وجعٌ قبل أن تكون مجدًا، ومسؤولية قبل أن تكون لقبًا. والثاني يظن أن المنصب حصانة من النقد، بينما المنصب الحقيقي ليس حصانة من أحد… بل مكشوف أمام التاريخ.
والتاريخ، رغم صمته، لا يجامل. يلتقط التفاصيل الصغيرة، السقوط الأول، أول ضعف، أول كذبة، أول تنازل، ثم ينسج منها سردية كاملة. ولذلك يخشاه المسؤول الزائف، بينما يطمئن له المسؤول الملتزم؛ لأن من عاش بقيم لا يخاف من ذاكرة الأمم.
وهكذا نفهم أخيرًا أن المسؤول الملتزم يشبه حجراً يوضع في أساس بناء الوطن، بينما الزائف يشبه حجراً يوضع في طريقه. الأول يرفع البناء، والثاني يعرقل المسير. وبينهما يتحدد مصير الشعوب: إما أن تنهض بهامات رجال صدقوا، أو تتعثر بخطوات من ظنوا أن المناصب غنائم لا رسالات.
وأقول أنا:
“المنصب لا يصنع عظمة الرجل… العظمة تبدأ حين يختار الحقيقة على رغباته، ويختار الناس على نفسه، ويختار ضميره على كل ما سواه.”
إن مسؤولًا ينهض بضمير واحد، قد يقيم دولة كاملة. ومسؤولًا يخون ضميره مرة واحدة، قد يهدم سنوات من البناء. إن الفرق بينهما ليس تفصيلًا إداريًا، بل معركة مصير بين الحق والوهم. وبين رجالٍ يُكتب التاريخ على أكتافهم، ورجالٍ يسقط التاريخ من ذاكرتهم. وفي النهاية، تبقى الحقيقة سؤالاً واحدًا لا يرحم الإجابات المزيفة:
هل كنت على قدر الأمانة… أم كانت الأمانة أكبر منك؟
واقول من شعري
ليس المسؤولُ بما قالته منصتُه
بل ما يزرعُ الفعلُ فيه حين يُمتَحنُ
الملتزمُ يمضي نقياً دونما صخبٍ
والزائفُ يبقى أسيراً حيث يندفنُ
والعدلُ نورٌ إذا ما ضلّ صاحبه
أظلمت في الأرض أيامٌ وتُفتتنُ
أما الأمينُ فوجهُ الحق يشهدُه
يبقى عزيزاً… وإن طال الزمانُ بهنُ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى