غسان الحسن وتزييف الواقع.. حين يُحاضر “وليد الشاشات” في “أهل الأصالة”

بقلم: عبدالكريم الشنون
يطل علينا الدكتور غسان الحسن بتصريحات أقل ما يقال عنها إنها “خطيئة” نقدية وتاريخية، حين تجرأ على ادعاء أن الشاعر البدوي الأردني لم تكن له قيمة اجتماعية ولا شعرية، وزعم أنه لا يتقن الأوزان، بل وتمادى في القول بأن شعراء الأردن لم يصبحوا في “أحسن صورة” إلا بفضل برنامج “شاعر المليون”.
وهنا، لا بد من وقفة صريحة لردع هذا التزييف، ليس دفاعاً عن الشاعر الأردني فحسب -فهو أكبر من أن يُدافع عنه- بل لوضع الدكتور غسان أمام مرآة الحقيقة التي يبدو أنه تناساها خلف أضواء الأستوديوهات.
إن المفارقة العجيبة التي وقع فيها الحسن هي محاولته ربط “وجود” الشاعر الأردني بظهوره في برنامج تلفزيوني، وهنا نذكره بالحقيقة المرة: إن الجمهور العربي لم يعرف من هو غسان الحسن، ولم يسمع باسمه، إلا من خلال مقعده في لجنة تحكيم “شاعر المليون”، بينما كان الشاعر الأردني ولا يزال ملء السمع والبصر، يهز الميادين ويقود وجدان الناس قبل أن تُبنى منصات التلفزة بعقود.
وعن أي “أوزان” يتحدث الدكتور وهو يتجاهل أن الأردن صدّر لعلم العروض الشعبي بحوراً قائمة بذاتها؟ أين هو عن “البحر الصخري”، ذلك البحر الشعري العريق الذي نُسب لقبيلة “بني صخر” الأردنية وأصبح ركيزة من ركائز الشعر النبطي في الجزيرة والبادية؟ كيف يجرؤ ناقد على اتهام شعراء الأردن بعدم إتقان الأوزان وهم الذين طوعوا القوافي وابتكروا لها بحوراً تُدرّس وتُغنى؟
كيف غاب عن ذاكرة من يدعي “الأستاذية” قامات هزت قصائدها أركان الصحراء؟ أين هو عن نمر بن عدوان، أمير الشعر والوفاء، الذي طافت قصائده الآفاق قبل قرن ونصف؟ وكيف يجهل العبقرية الفذة لشاعر الأردن مصطفى وهبي التل (عرار)، الذي كان مدرسة في السياسة والاجتماع وصاغ من نبض الأردن هوية وطنية لا تطالها قامات الحسن ولا غيره.
إن شعراء الأردن اليوم هم حراس التراث، وأسماؤهم محفورة في ذاكرة القصيد لا تمحوها تصريحات عابرة:
* من يجهل جزالة علي عبيد الساعي وقوة سبكه؟
* ومن يغفل عن الحضور الطاغي لـ منصور الشنون و محمد الحجايا؟
* وماذا عن الأصالة في قصائد علي الهقيش و محمد فياض الدماني؟
هؤلاء، وغيرهم الكثير من شمال المملكة إلى جنوبها، هم مراجع في الجزالة والسبك، ولم يستمدوا قيمتهم من “كرت” يرفعه حكم في برنامج، بل من مضافات الرجال وكرامة القبائل.
إن الشاعر الأردني لم يخرج من “عدم” اجتماعي، بل هو ركن أساسي في قبيلته، كلمته مسموعة، وقصيدته كانت ولا تزال ديواناً للعز وفصلاً في النزاعات.
على غسان الحسن أن يدرك أن “القيمة” لا تُمنح بقرار من لجنة تحكيم، وأن شعراء الأردن هم من أضافوا للبرنامج المصداقية، وليس العكس. إن هذا التطاول يتطلب اعتذاراً علنياً ومباشراً، فمن عرفناه “بالأمس” عبر الشاشات، لا يحق له تقييم من عرفهم التاريخ بالبطولة والقصيد منذ الأزل.




