“تأملات شتوية في ما لا يُقال رحلة العقل والروح”
د. عمّار محمد رجوب
الشتاء ليس فصلًا عابرًا في تقويم الزمن، بل تجربة وجودية كاملة، وموعد مع الذات لا يفرّقه ضجيج العالم. يأتي هادئًا، كحكيمٍ قديم، يحمل في طياته اختبارًا صامتًا للإنسان: اختبار للوعي، وللألم، ولقدرتنا على استيعاب ما لا يُقال. في هذا الفصل، لا يُقاس الإنسان بما يملك من مال أو منصب، بل بما يستطيع أن يرى من عمق ذاته حين يختفي الضجيج، ويصير العالم أصغر من صدى الفكر والوجدان.
في الشتاء تتباطأ الحياة، وتصبح الأسئلة أكثر وضوحًا، رغم أنها لا تطرح على مستوى الكلام، بل على مستوى الصمت. هنا يلتقي الإنسان مع ذاته الحقيقية، بعيدًا عن الأقنعة، بعيدًا عن الانشغالات اليومية. وقد أشار علماء النفس الوجودي، مثل كارل يونغ وفيكتور فرانكل، إلى أن الإنسان لا يكتشف معناه في أوقات الرفاهية، بل في لحظات الانقطاع عن الضوضاء، حين ينكشف “الظل” الداخلي، وتظهر الحقيقة في أبهى صورها وأقسى تحدياتها.
ليس الشتاء حزنًا كما يُظن، بل صدق. صدق مع الذات، ومع الإيقاع الطبيعي للحياة. ففي هذا الفصل، تسقط الأقنعة تلقائيًا، لا بفعل القسوة، بل بفعل الوضوح. يصبح الإنسان أقل ادّعاءً، وأكثر إنصاتًا، ويدرك أن القوة ليست في الصلابة الدائمة، بل في المرونة الواعية، وفي القبول الذي لا يعني الاستسلام، بل الفهم العميق.
ثمّة لحظة شتوية لا يمكن قياسها بالساعات أو الأيام؛ لحظة يختلّ فيها ترتيب الأفكار، وتصبح الأسئلة بلا أجوبة، والأجوبة بلا معنى، في منطقة رمادية بين الفهم واللا-فهم. هناك يختبر الإنسان نفسه على صبره وعلى قدرته على الاحتمال، ويكتشف أن بعض المعاني يُفهم عبر الانصهار مع الغموض، لا عبر السيطرة على التفاصيل. كأن الطبيعة نفسها، في برودتها، تدعو الإنسان إلى قبول عدم اليقين، باعتباره أحد أشكال الوعي الناضج.
وقد أظهرت الأبحاث في علم النفس العصبي أن الانعزال المؤقت والتأمل المنهجي يحفّزان القشرة الأمامية للدماغ، مركز التخطيط والتقييم الأخلاقي، ويزيدان من قدرة الإنسان على فهم دوافعه الداخلية واتخاذ قرارات واعية. كما أن تكرار لحظات التأمل في الصمت يعزز قدرة الدماغ على المرونة النفسية، ويزيد الشعور بالرضا العميق. ولهذا، يجد الكثيرون في الشتاء، رغم برودته، فرصة لإعادة ضبط حياتهم العاطفية والنفسية والوجودية. فالوعي الذاتي، حين يلتقي مع الصمت، لا يقتصر على إعادة التوازن النفسي، بل يُحوّل كل لحظة باردة إلى تجربة معرفية عميقة، قادرة على صقل العقل والوجدان معًا، وتوفير مساحة لإعادة تقييم القيم والمبادئ والغايات.
وفي هذه اللحظات أيضًا، يظهر الغموض بشكل جميل؛ لحظة تتوقف فيها كل المقاييس وتصبح المعاني متداخلة، وتضيع حدود اليقين. هنا لا يبحث العقل عن إجابات نهائية، بل عن القدرة على الاحتفاظ بالأسئلة الحقيقية، على الشعور بالوجود دون تفسير، على الاستماع للفراغ الذي يكشف عن نفسه كما لم يحدث من قبل. هذا الغموض لا يربكنا، بل يجعلنا أكثر وعيًا، أكثر عمقًا، وأكثر استعدادًا لمواجهة الحياة بما هي، لا بما نحب أن تكون.
الفلسفة، في جوهرها، لا تنفصل عن هذه الحالة. فهي لا تسعى لإجابات جاهزة، بل لصقل القدرة على الاحتفاظ بالأسئلة النقية، والعيش معها بوعي. وقد رأى هايدغر أن القلق الهادئ ليس خللًا، بل طريقًا إلى الوعي. والشتاء يهيّئ هذه الطريق دون ضجيج؛ يجعلنا نعيد النظر في علاقتنا بالوقت، وبالنجاح، وبالآخرين، وبأنفسنا قبل كل شيء.
في الشتاء، نتعلّم أن بعض الصمت ضرورة أخلاقية، وأن بعض المسافات حماية لا قطيعة، وأن النضج لا يعني القسوة، بل الحكمة في الاختيار. لا نحتاج إلى تفسير كل شيء، ولا إلى إقناع الجميع، فبعض المعاني يكفي أن تُعاش، لا أن تُقال. ومن يفهم هذا، لن يخاف الشتاء، بل سيقدّره، لأنه يجمع بين عمق التجربة الإنسانية وفهم الذات والعالم معًا.
وهكذا، يصبح الشتاء مدرسة داخلية، لا تُدرَّس في الكتب، بل في التجربة. مدرسة تعلّمنا أن الحياة ليست سباقًا دائمًا، بل توازنًا دقيقًا بين الحركة والتوقّف، بين الكلام والصمت، بين السعي والرضا. ومن يفهم هذا، يجد في كل برودة درسًا، وفي كل صمت فرصة، وفي كل غموض دعوة لإعادة اكتشاف الذات.
وأقول أنا:
الشتاء ليس مجرد فصل، بل رحلة داخلية؛ رحلة نعيد فيها اكتشاف معنى الحياة، ودفء الروح، ووعي العقل، لنحمله معنا إلى كل الفصول، حيث لا يزول البرد، لكن الدفء الحقيقي يظل في فهمنا لما نحن عليه، وما يمكن أن نصبحه.




