سليمان باشا الهباهبة … رجل دولة جمع بين حراسة الوطن وبناء مستقبله

كتب : ليث الفراية
في سيرة بعض الرجال، لا تحتاج إلى المبالغة لتكتب عنهم، فالأثر وحده كافٍ، والتجربة أصدق من أي توصيف وسليمان باشا الهباهبة“أبو بشار”، واحد من أولئك الذين تشكّلت شخصيتهم في ميادين العمل الصعب، حيث لا مكان للضجيج، ولا وقت للخطابات، بل مسؤولية تُؤدّى بصمت، وقرار يُتخذ بميزان الوطن.
عميد متقاعد من دائرة المخابرات العامة، وهي مؤسسة لا تصنع أسماءها في الإعلام، بل في عمق الدولة، ولا تفرز رجالها بالكلام، بل بالثقة والانضباط والقدرة على حمل العبء حيث سنوات طويلة قضاها الهباهبة في خدمة الأردن من موقع بالغ الحساسية، موقع لا يُمنح إلا لمن امتلك الحكمة قبل القوة، والبصيرة قبل الجرأة، والالتزام قبل أي شيء آخر.
حين نتحدث عن الحياة العسكرية لسليمان باشا الهباهبة، فإننا لا نستعرض سنوات خدمة فحسب، بل نتوقف أمام مدرسة متكاملة صقلت شخصيته، ورسّخت لديه مفهوم الدولة بوصفها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون منظومة إدارية فالعمل في دائرة المخابرات العامة لا يمنح ضوءًا، بل يفرض ظلالًا كثيفة من المسؤولية، ولا يقدّم امتيازات بقدر ما يطلب استعدادًا دائمًا لحمل أثقل الملفات وأكثرها حساسية.
منذ بداياته في السلك العسكري، أظهر التزامًا صارمًا بقيم العمل المؤسسي من حيث الانضباط، والسرية، واحترام التسلسل، والقدرة على العمل تحت الضغط دون أن يفقد اتزانه فهذه القيم لم تكن تعليمات عابرة، بل تحوّلت مع الوقت إلى أسلوب حياة، انعكس على سلوكه اليومي، وعلى طريقة تفكيره، وعلى قراراته في اللحظات الدقيقة.
تنقّل الهباهبة خلال خدمته بين مواقع ومسؤوليات تتطلب درجة عالية من الدقة والوعي، حيث لا مجال للخطأ، ولا رفاهية للتجربة حيث العمل في هذا الفضاء يعني أن تكون حاضر الذهن دائمًا، قادرًا على قراءة التحولات، وفهم التعقيدات الاجتماعية والأمنية، والتعامل مع الإنسان قبل الملف، ومع المعلومة قبل القرار.
عرف عنه داخل المؤسسة أنه رجل هدوء لا ارتباك، ورجل تقدير للموقف لا اندفاع حيث لم يكن من أولئك الذين يرفعون أصواتهم لفرض حضورهم، بل من الذين يفرضون حضورهم بثباتهم، وبقدرتهم على إدارة أصعب اللحظات بأقل قدر من الضجيج وهي سمة تحظى بتقدير خاص في المؤسسات التي تُقاس فيها الكفاءة بالنتائج لا بالكلام.
سنوات الخدمة الطويلة التي توّجت برتبة عميد لم تأتِ مصادفة، بل كانت نتيجة مسار مهني تراكمي، قائم على الثقة المتبادلة بينه وبين المؤسسة، وعلى سجل نظيف من الالتزام والمسؤولية فالترقية في مثل هذه المواقع ليست مكافأة زمنية، بل شهادة كفاءة، وإقرارًا بالقدرة على القيادة وتحمل الأمانة.
كما شكّلت الحياة العسكرية لدى الهباهبة فهمًا عميقًا لمفهوم الأمن الشامل، الذي لا يقتصر على البعد الاستخباري أو العسكري، بل يمتد ليشمل الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي فهذا الفهم جعله يدرك مبكرًا أن حماية الوطن لا تكون فقط بالحراسة، بل ببناء الثقة، ومعالجة أسباب القلق، وخلق بيئة يشعر فيها المواطن بالأمان والعدالة.
ولعل ما يلفت في تجربته العسكرية، هو قدرته على الجمع بين الحزم والإنسانية فبين متطلبات العمل الصارمة، ظل وفيًا لقيم الاحترام والتقدير، مؤمنًا أن قوة الدولة لا تُقاس بقسوتها، بل بعدالتها، ولا تُرسّخ بالضغط، بل بالفهم العميق لطبيعة المجتمع.
عند تقاعده من الخدمة العسكرية، لم يغادر سليمان باشا الهباهبة موقعه المعنوي، بل خرج وهو يحمل معه رصيدًا كبيرًا من التجربة والمعرفة، جعله حاضرًا في أي موقع يُستدعى إليه لاحقًا فالعسكري الحقيقي لا يخلع انضباطه مع بزته، بل يبقى جزءًا من شخصيته أينما كان.
مؤخرًا، جاء تعيينه نائبًا لرئيس مجلس إدارة شركة تطوير معان ليؤكد أن الدولة حين تختار، فإنها تبحث عن الخبرة لا عن الواجهة، وعن الفهم لا عن العنوان. فمعان، بما تمثله من عمق وطني وتاريخي، وبما تحتاجه من إدارة واعية للتنمية والاستثمار، لا تحتمل التجارب العابرة ولا القرارات المرتجلة.
وجود سليمان الهباهبة في هذا الموقع يعكس ثقة واضحة بقدرته على الإسهام في رسم مسار تنموي متزن، بعيد عن الشعارات، وقريب من الواقع فالرجل القادم من مدرسة قراءة المشهد وإدارة الملفات الحساسة، يعرف أن التنمية ليست أرقامًا تُعلن، بل استقرار يُبنى، وفرص تُخلق، وعدالة تُحترم.
ما يميّز سليمان أبو بشار، ليس فقط تاريخه الرسمي، بل طريقته في التعامل مع الناس. هو من أولئك الذين يستمعون أكثر مما يتكلمون، ويقرأون ما بين السطور، ويؤمنون أن الاحترام يُكتسب بالفعل لا بالمنصب وهذه سمة نادرة حين تجتمع مع خلفية أمنية صارمة، فتُنتج شخصية متوازنة، تعرف متى تكون قريبة، ومتى تكون حازمة.
في مرحلة تحتاج فيها مشاريع التنمية في المحافظات إلى عقل الدولة لا انفعال اللحظة، يصبح وجود شخصيات بخبرة الهباهبة إضافة حقيقية، لا شكلية. فالرجل لا يأتي ليملأ موقعًا، بل ليؤدي دورًا، واضعًا أمامه مصلحة الوطن، وخصوصية معان، وحق أبنائها في تنمية حقيقية ومستدامة.
سليمان باشا الهباهبة ليس اسمًا طارئًا على سجل الخدمة العامة، بل امتداد لمدرسة أردنية عريقة، ترى في الدولة قيمة، وفي المسؤولية أمانة، وفي المنصب وسيلة لا غاية فهو نموذج لرجل الدولة حين يترجل عن بزته العسكرية، دون أن يترجل عن التزامه، أو عن انضباطه، أو عن حضوره الهادئ.
وفي زمن كثر فيه الكلام وقلّ الفعل، يبقى الرهان على أمثال أبي بشار، ممن تعلّموا أن العمل بصمت هو أعلى درجات الوفاء، وأن الوطن لا يحتاج ضجيجًا بقدر ما يحتاج رجالًا يعرفون أين يقفون، وماذا يفعلون، ومتى يتقدمون خطوة للأمام.





