العلاقة بين أورتاغوس والصحناوي غرام حقيقي ام تدبير مخابراتي ؟

د . مهدي مبارك عبد الله

مورغان أورتاغوس المبعوثة الأمريكية السابقة إلى لبنان والمشهورة بمواقفها المتشددة ضد إيران وحزب الله أصبحت فجأة محور فضيحة سياسية واجتماعية واقتصادية لم تشهد لها العاصمة بيروت مثيلا منذ عقود العلاقة بعد انكشاف علاقتها الغرامية مع المصرفي اللبناني أنطون الصحناوي حيث لم تكن مجرد قصة حب عابرة بل صدمة مزدوجة تجمع بين المال والدبلوماسية والاستخبارات مما جعل الشارع اللبناني والمحللين السياسيين في حالة تأهب قصوى لتفسير ما يجري في قلب المشهد اللبناني الذي لطالما عانى من التدخلات الخارجية

منذ زمن طويل اعتادت الأجهزة الاستخباراتية العالمية ولا سيما الأمريكية والصهيونية توظيف العلاقات العاطفية كأدوات حيوية في العمليات الاستخباراتية التي تهدف إلى تعزيز النفوذ أو تحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى وهذه العمليات التي تبدو في ظاهرها عاطفية أو شخصية غالبا ما تخفي وراءها أجندات معقدة تتجاوز حدود المشاعر والاندفاعات الإنسانية وعلى مدى التاريخ كشفت لنا وسائل الإعلام المختلفة العديد من العلاقات المثيرة التي تربط بين الدبلوماسيين والمصرفيين ورجال السياسة وإننا لا ننسى تلك القصص التي كانت وما تزال حديثا يتكرر عن توظيف العلاقات العاطفية لإحراز التفوق الاستخباراتي والسياسي

في كثير من الحالات تكون النساء المجرى الذي تتنقل فيه الاستراتيجيات حيث يتم توظيف جاذبيتهن وقدرتهن على التأثير ليس فقط في العلاقات الشخصية بل في عوالم التجسس والتخطيط الاستخباراتي المعقد وعلى سبيل المثال في القرن العشرين قامت الاستخبارات البريطانية بتوظيف “إديث كافيل” ممرضة بلجيكية كانت تعمل في زمن الحرب العالمية الأولى على تمريض الجنود المصابين لكنها كانت في الواقع تساعد أسرى الحرب على الهروب من قبضة الألمان حيث استغلت جاذبيتها وسمعتها الطيبة كوسيلة استراتيجية لإحراز مكاسب استخباراتية حاسمة

على الجانب الآخر وفي فترة الحرب الباردة كانت هناك جاسوسة أمريكية تدعى “ماتيلدا وود” عملت على جمع المعلومات السرية في الاتحاد السوفيتي مستغلة طبيعة علاقاتها العاطفية مع مسؤولين سوفيتيين بارزين وإلى يومنا هذا نجد هنالك أمثلة مشابهة في السياسة العالمية حيث تقوم الاستخبارات الأمريكية والصهيونية باستخدام النساء في مجالات حساسة تتعلق بالعلاقات مع شخصيات محورية في الشرق الأوسط وأماكن أخرى وفي هذا السياق فإن العلاقة بين مورغان أورتاغوس المبعوثة الأمريكية السابقة إلى لبنان وأنطون الصحناوي المصرفي اللبناني الشهير تثير العديد من التساؤلات حول كون هذه العلاقة مجرد غرام عابر أم أنها قد تكون جزءا من تدبير استخباراتي معقد يديره جهاز الأمن الأمريكي أو الإسرائيلي مستفيدًا من كل جوانب النفوذ السياسي والمالي

أورتاغوس المرأة التي شغلت منصب المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية خلال الولاية الأولى لترامب والتي كانت من أبرز الأصوات المعادية للنفوذ الإيراني والاعتراض على سياسات خصوم واشنطن في الشرق الأوسط دخلت عالمًا جديدًا لم تعتده من قبل عندما انفصلت عن زوجها جوناثان وينبرغر بعد زواج دام أكثر من اثني عشر عامًا ومع ذلك ظلت العلاقة الزوجية في نظر البعض مجرد واجهة فقد حيث بدأت أورتاغوس علاقة قوية مع الصحناوي المصرفي اللبناني البالغ من العمر 53 عامًا والذي يترأس عددا من البنوك اللبنانية والإقليمية ولديه تاريخ عائلي عميق الجذور يعود إلى الأمير بشير الشهابي الثاني ويملك شبكة مصالح مالية واسعة تشمل لبنان وقبرص والأردن وموناكو والولايات المتحدة

الصحناوي ليس مجرد مصرفي عادي بل شخصية مثيرة للجدل في آن واحد فهو من الناشطين في المجالات الاقتصادية والثقافية ويمتلك تاريخًا من الدعم للمشاريع المشتركة الأمريكية الإسرائيلية كما أنه خضع لتحقيقات دولية حول قضايا مالية تتعلق بغسيل الأموال وتمويل جماعات مسلحة في مراحل سابقة مما يثير التساؤل عن طبيعة تأثير علاقته بأورتاغوس على السياسة الأمريكية في لبنان وأبعادها الأمنية والاستراتيجية ومدى استغلال هذه العلاقة لتسهيل مصالح إسرائيلية محتملة في قلب بيروت

كما ان ظهور إيصالات شراء مجوهرات تحمل اسميهما معًا على مواقع التواصل الاجتماعي لم يكن حدثًا بسيطًا بل أصبح مادة للتحقيق والتحليل وأداة لتشويه سمعة العلاقة من قبل أطراف متعددة ومن خلفيات سياسية مختلفة فقد أثارت هذه الإيصالات تساؤلات حول ما إذا كانت مجرد دلالة على العلاقة الشخصية أم هي جزء من لعبة استخباراتية أكبر حيث يشير بعض المراقبين إلى أن أورتاغوس بدورها كدبلوماسية متنفذة قد تكون مراقبة ومستغلة من قبل جهات استخباراتية أمريكية وإسرائيلية لتحقيق أهداف بعيدة عن مجرد العاطفة والهيام

تحليل الخلفية السياسية لأورتاغوس يكشف أنها ليست مجرد مبعوثة عادية بل شخصية استخباراتية من نوع خاص فقد عملت سابقًا كضابط احتياط في البحرية الأمريكية وشاركت في الوساطات بين حماس وإسرائيل في ظل الولاية الثانية لإدارة ترامب كما أن مواقفها الحادة تجاه خصوم السياسة الأمريكية تجعلها عنصرًا حساسًا يمكن استغلاله في الملفات اللبنانية المعقدة التي تتضمن حزب الله والفصائل الفلسطينية المختلفة والوجود الإيراني في المنطقة

من جهة أخرى الصحناوي رجل مهم يجمع بين النفوذ المالي والروابط العائلية والسياسية في لبنان وهو يمتلك شبكة ممتدة من المصالح الاقتصادية والثقافية والفنية كما أنه له علاقات مع مشاريع أمريكية إسرائيلية مشتركة ودعم لبعض المؤسسات الدينية والسياسية في الولايات المتحدة والشرق الأوسط مما يجعله لاعبًا رئيسيًا قادرًا على التأثير في القرارات والمواقف اللبنانية وهذه الخلفية تجعل العلاقة بينه وبين أورتاغوس تحمل أبعادًا تتجاوز مبدأ الغرام إلى دهاليز النفوذ السياسي والاستخباراتي والمالي

رغم انتشار التكهنات والشائعات حول خلفية الصحناوي الدينية تؤكد المصادر الموثوقة أن أنطون الصحناوي مسيحي ماروني لبناني وليس مسلم كما يشاع وهو ينتمي إلى عائلة الشهابي التاريخية المعروفة بمواقفها المسيحية والمارونية في لبنان كما أن نشاطه الاجتماعي والثقافي والديني يعكس هذا الانتماء بدءًا من تبرعاته للمؤسسات الدينية والمبادرات المجتمعية وحتى روابطه العائلية الممتدة في بيروت ومانهاتن وهذا الانتماء الطائفي يعطيه قبولًا نسبيًا داخل الأوساط المسيحية اللبنانية ويشكل جزءًا من شبكة النفوذ الاجتماعي والسياسي التي يمتلكها ويجعل العلاقة مع أورتاغوس المبعوثة الأمريكية ذات دلالات سياسية معقدة حيث يمكن تفسيرها ليس فقط كقصة شخصية أو غرامية بل كجزء من لعبة نفوذ دقيقة تعتمد على التوازنات الطائفية والمذهبية في لبنان وهو عامل مهم لفهم احتمالات التأثير الاستخباراتي والسياسي للعلاقة في الداخل اللبناني ولتحليل كيفية قراءة الأطراف المختلفة لهذه العلاقة ضمن السياق اللبناني المتشابك

في لبنان أثارت العلاقة جدلاً واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي وبين المحللين السياسيين فهناك من اعتبر أورتاغوس عميلة أمريكية أو موسادية وأن العلاقة مع الصحناوي ليست بريئة بل وسيلة لتعزيز النفوذ الإسرائيلي في المنطقة وأن هذه العلاقة تمثل نموذجًا حيًا لتقاطع المصالح الشخصية مع السياسة الخارجية الأمريكية في لبنان أما البعض الآخر فاعتبرها غرامًا عابرًا لكنه أصبح مادة لتأويلات سياسية واستخباراتية معقدة حيث يرى المحللون أن أي تفاعل بين دبلوماسية أمريكية نافذة ومصرفي لبناني ثري يحمل دلالات استراتيجية واضحة على النفوذ الخارجي داخل لبنان

الجانب الرسمي الأمريكي حاول التخفيف من الصدمة مؤكدًا أن العلاقة معلنة وشفافة وأن أورتاغوس أبلغت السلطات عنها إلا أن هذه التصريحات لم تنجح في تهدئة الشارع اللبناني ولا المحللين السياسيين الذين يركزون على احتمالات توظيف العلاقة لأغراض استخباراتية تتعلق بتأمين مصالح إسرائيلية أمريكية في لبنان والتحكم في تحركات حلفاء واشنطن المحليين وخلق توازنات جديدة في ملفات حساسة مثل حزب الله والفصائل المارونية والجماعات المسلحة الأخرى وهو ما يجعل العلاقة أكثر من مجرد فضيحة عاطفية

تأثير هذه العلاقة يمتد إلى ما هو أعمق من مجرد التدخل في سياسات بيروت الرسمية فهناك احتمال أن تكون أداة لتعزيز النفوذ الاستخباراتي الأمريكي الإسرائيلي من خلال القدرة على الوصول إلى معلومات حساسة والتأثير في قرارات سياسية واقتصادية لبنانية كما أن الصحناوي قد يكون من خلال هذه العلاقة وسيلة لإدارة ملفات مالية ومصرفية في لبنان تحت غطاء العلاقات الشخصية وهو ما يجعل هذا الملف بمثابة اختبار حقيقي لحساسية الدولة اللبنانية أمام تدخلات الخارج

القصة في جوهرها صادمة لأنها تجمع بين الغرام والاستخبارات والمال والسياسة والثقافة في آن واحد وتكشف هشاشة التوازنات اللبنانية أمام النفوذ الخارجي وتجعل القارئ أمام واقع أن بيروت أصبحت من جديد مسرحًا مفتوحًا لتقاطع مصالح النفوذ الأمريكي الإسرائيلي مع القرارات الداخلية وأن الحياة الشخصية لدبلوماسية نافذة يمكن أن تتحول إلى أداة تأثير أو اختبار حقيقي لنفوذها وسلطة من حولها وأن العلاقة قد تحمل في طياتها مفاجآت مستقبلية على الساحة اللبنانية تؤثر على الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي في البلاد

ومن زاوية استخباراتية لا يمكن تجاهل احتمال أن تكون هذه العلاقة بين أورتاغوس والصحناوي جزءًا من ترتيب أكبر أعدته أجهزة استخباراتية أمريكية أو إسرائيلية تستهدف النفوذ في لبنان خصوصا وان التقاطع بين موقع أورتاغوس الدبلوماسي وامتلاك الصحناوي لشبكة مالية واسعة يخلق فرصة فريدة للوصول إلى معلومات حساسة والتأثير في تحركات قوى محلية وإقليمية وهو ما يجعل الغرام كغطاء محتملً لتسهيل أهداف استراتيجية خفية حيث يمكن تفسير التنسيق بين الطرفين على أنه وسيلة لتجربة النفوذ المالي والسياسي المباشر في بيروت واختبار قابلية الأطراف اللبنانية للتأثر بالضغط الخارجي مما يضفي على العلاقة أبعادًا استخباراتية قد تكون أكثر أهمية وتعقيدًا من أي قصة عاطفية سطحية

في النهاية علاقة مورغان أورتاغوس وأنطون الصحناوي ليست مجرد قصة غرام أو فضيحة اجتماعية بل هي مسرح شامل للنفوذ المالي والسياسي والاستخباراتي في قلب بيروت تكشف حقيقة التداخل بين السياسة الأمريكية والإسرائيلية والمال اللبناني وأبعادها الخطيرة على لبنان ومستقبله السياسي والاقتصادي والاجتماعي وهي فضيحة من نوع جديد تحمل صدمة مزدوجة لكل من يتابع السياسة المتقلبة في الشرق الأوسط ويبقى السؤال المعلق قصة أورتاغوس والصحناوي غرام يظهر للعلن أم مؤامرة استخباراتية خفية ؟

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى