إيران 2026: البحث عن “عقد اجتماعي” لا “تاج” ولا “عمامة”

بقلم: عبد الكريم الشنون
مستشار جودة الحياة والتمكين الاجتماعي

تمرُّ الدولة الإيرانية اليوم بمخاض تاريخي هو الأكثر تعقيداً منذ عقود؛ فبين زخم الاحتجاجات الشعبية التي تجاوزت كافة الخطوط الحمراء، وبين الضغوط الدولية التي بلغت ذروتها، يجد العالم نفسه أمام تساؤل حتمي ومصيري: ما هو البديل الحقيقي؟
لقد انحصر النقاش السياسي مؤخراً في سيناريوهين ضيقين: إما انصياع النظام الحالي للإملاءات الخارجية لتجنب السقوط الوشيك، أو عودة “التاج البهلوي” كبديل جاهز تحت رعاية دولية مكثفة. ومع تقديرنا للرمزية التاريخية التي يمثلها نجل الشاه، إلا أن القراءة الواعية لواقع “التمكين الاجتماعي” والسيادة الوطنية تشير إلى أن العودة للملكية قد لا تكون الترياق الشافي؛ فالتاريخ يُعلمنا أن الأنظمة التي تُستعاد برافعة خارجية غالباً ما تجد نفسها مرتهنة للأجندات الدولية، وهو ما قد يزج بإيران في دورة جديدة من التبعية التي ترفضها الأجيال الشابة الطامحة للاستقلال التام والقرار الوطني الحر.
وعلى مقربة من هذا المشهد، لا يمكن إغفال القلق الخليجي العميق (السعودي والكويتي تحديداً) من أن يؤدي الانهيار “غير المنظم” للنظام الحالي إلى سيناريوهات كارثية، تبدأ بحدوث فراغ أمني يحول إيران إلى “سوريا كبرى” تتعدد فيها المليشيات المتصارعة، مما قد يهدد الملاحة في مضيق هرمز ويدفع بموجات هجرة غير مسبوقة. كما يبرز خطر التقسيم ككابوس يؤرق المنطقة؛ إذ إن أي نزعات انفصالية (كردية أو بلوشية أو في خوزستان) قد تنتقل عدواها للمحيط الإقليمي، وهو ما يدفع بعض النخب الخليجية حالياً لتفضيل “تغيير سلوك” النظام على “الانهيار الشامل” الذي قد يفجر المنطقة بأكملها.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة لما نسميه “الخيار الثالث”. هذا الخيار ليس مجرد تبديل للوجوه، بل هو صياغة “عقد اجتماعي” جديد ينبثق من رحم الداخل، وتتوافق عليه كافة مكونات الشعب الإيراني. إن “الطرف الثالث” هو المشروع الوطني الذي يوازن بين رغبة الشارع في التغيير، وحاجة الإقليم للاستقرار، عبر ركائز استراتيجية:
1. السيادة الوطنية: بناء علاقات ندية ومتوازنة مع القوى الكبرى، تحمي ثروات البلاد من التجاذبات الدولية.
2. الاستقرار الإقليمي: تقديم رسائل طمأنة واضحة للجوار الخليجي، بأن إيران القادمة هي شريك تنموي يرفض الفوضى والمليشيات، ويحافظ على سلامة الحدود ووحدة التراب الوطني.
3. التمكين المجتمعي: الانتقال من حكم الرموز إلى حكم القانون والمؤسسات الذي يحترم التعددية ويضمن العيش الكريم والمساواة لكافة فئات الشعب.
إن استقرار إيران هو ركيزة أساسية لجودة الحياة في منطقتنا. والرهان على “الطرف الثالث” هو المخرج الوحيد الذي يضمن ألا تنزلق البلاد إلى فوضى الانقسام، أو تقع في فخ التبعية التي تعيد إنتاج الأزمات بوجوه مختلفة. لقد آن الأوان ليدرك الجميع أن مستقبل الشعوب لا يُصنع في كواليس السياسة الدولية، بل في قدرة هذه الشعوب على ابتكار طريقها الخاص.. الطريق الذي لا يرتدي تاجاً ولا يعتمر عمامة، بل يرفع راية الوطن والإنسان أولاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى