بين مطرقة المهنة وسندان الأمومة: هل ندفع بأطفالنا نحو “يتمٍ معاصر”؟

بقلم: عبد الكريم الشنون
مستشار جودة الحياة والتمكين الاجتماعي

في ظل تسارع وتيرة الحياة المعاصرة، وجدت الأم نفسها في مواجهة تحدٍ وجودي؛ فهي لم تعد مطالبة فقط بتربية جيل سوي، بل أصبحت شريكاً أساسياً في العجلة الاقتصادية والمهنية. ومع هذا التحول، برزت ظاهرة “الطفولة المهملة عاطفياً”، ليس بسبب غياب الحب، بل بسبب غياب “الوقت النوعي” والإنهاك الذي يسرق من الأم روحها قبل جهدها. إن الإشكالية لا تكمن في عمل المرأة بحد ذاته، بل في ذلك “الاحتراق” الذي يجعلها تعود إلى منزلها بجسد حاضر وعقل غائب، ليتحول البيت من مرفأ للسكينة إلى ساحة لإدارة اللوجستيات الجافة، حيث يغيب الدفء خلف ستار الواجبات المادية.
هذا التحول العميق تعززه أرقام اجتماعية تعكس واقع “الفجوة الرقمية” في الأمان النفسي؛ إذ تشير الدراسات إلى أن الأطفال في الأسر التي تعمل فيها الأم بدوام كامل يواجهون عجزاً زمنياً في التفاعل النوعي المباشر، مما يخلق حالة من “الجوع العاطفي” التي تمس جوهر تكوين الشخصية واستقرارها في المراحل العمرية الحرجة. وحين تصل الأم إلى منزلها وطاقتها تقترب من الصفر، يتقلص صبرها وتصبح استجابتها لمتطلبات أبنائها حادة ومتوترة، وهو ما يفسر تقارير “الاحتراق العاطفي” التي تؤكد أن ثلاثاً من كل أربع أمهات عاملات يعانين من شعور دائم بالذنب والإنهاك، مما يضعف جودة حضورهن النفسي والتربوي داخل الأسرة.
ولا تتوقف ارتدادات هذا الإنهاك عند حدود غرف الأطفال، بل يمتد أثرها ليُحدث شرخاً في جدار العلاقة الزوجية؛ فالإحصائيات تضع “الاحتراق المهني” ضمن الأسباب الرئيسية لارتفاع نسب الفتور والنزاعات الأسرية مؤخراً. فعندما تغيب المساحة النفسية التي تسمح للمرأة بالاعتناء بذاتها وبعلاقتها بشريكها، يحل الروتين محل المودة، ويتحول الزوجان تدريجياً إلى “شريكين في إدارة مؤسسة تربوية” بدلاً من حبيبين، مما يجعل الرابط الزوجي هشاً أمام ضغوط العمل التي تنتقل عدواها إلى تفاصيل المنزل اليومية، فتتحول السكينة المفترضة إلى صراعات خفية حول الأدوار والمسؤوليات.
ولاستعادة توازن جودة الحياة في ظل هذه التعقيدات، بات من الضروري تبني مفهوم “الشراكة العميقة” كبديل عن توزيع المهام التقليدي؛ فالرجل الذي يحتضن أعباء المنزل ليس متفضلاً، بل هو صمام أمان يحمي أسرته من الانهيار. كما تبرز الحاجة لممارسة طقس “الفصل الذهني” وترك أعباء الوظيفة خلف باب المنزل، لإدراك حقيقة أن الأبناء لا يحتاجون إلى “أم كاملة” بقدر ما يحتاجون إلى “أم حاضرة” وجدانياً ولو لدقائق معدودة من الإنصات والاحتضان. إن التمكين الحقيقي الذي ننشده يكمن في ألا يكون النجاح المهني قرباناً يُقدم على حساب استقرار الأسرة، بل وسيلة لتعزيزها، فالمستقبل الذي نصممه يجب أن يكون فيه الطموح وقوداً للاستقرار الأسري، لا فتيلاً لاحتراقه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى