إسرائيل ومادورو : قراءة في التوقيت والمواقف وانكشاف الدور الاستراتيجي
د . مهدي مبارك عبد الله
بداية ما يجب فهمه جيدا ان اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لم يكن مجرد حادث عابر بل إعلان صريح بأن الزمن الذي كان فيه القانون الدولي والشرعية يحميان سيادة الدول قد ولّى والعملية العدوانية وقعت في لحظة كشفت وجه النظام العالمي الجديد حيث يطغى مبدأ القوة وحدها في كل تفاصيل الحكم والسيادة الوطنية التي باتت رهينة بيد القوى الكبرى والتوقيت للحدث ايضا لم يكن صدفة وهو بكل وضوح يخدم مصالح إسرائيل ويمنحها غطاء تاريخي وسياسي لمواجهة ضغوط غير مسبوقة كما انه يقدم رسالة واضحة لكل خصومها مفادها أن لا أحد فوق الاستهداف إذا تعارض مع حسابات التحالفات الكبرى ومادورو ليس ضحية فنزويلية فقط بل ضحية لعبة استراتيجية أعادت تعريف كل القواعد الدولية وأثبتت أن التوقيت السياسي والتحالفات الدولية صارت معيار رئيسي للحكم الأقوى وأن أي دولة مهما صغرت أو بعدت يمكن أن تصبح حقل اختبار لقوة أخرى
تاريخ إسرائيل مع هذا النوع من العمليات لا يقتصر على ادولف أيخمان وحده في ستينات القرن الماضي ( احد المسؤولين الكبار في الرايخ الثالث الالماني وضابط في إحدى القوات الخاصة الألمانية المسماة قوات العاصفة اختطف على يد الموساد الاسرائيلي من الارجنتين عام 1960 واعدم شنقا في اسرائيل عام 1962 ) بل يمتد على عقود ويشمل نماذج متعددة من الاختطاف المباشر أو الاستدراج القسري ففي ثمانينيات القرن الماضي اختُطف العالم النووي الإسرائيلي مردخاي فعنونو من روما بعد استدراجه بعملية استخباراتية معقّدة ليُنقل إلى إسرائيل ويُحاكم سراً وفي التسعينيات نفّذت إسرائيل عمليات خطف مباشرة من جنوب لبنان أبرزها اختطاف الشيخ عبد الكريم عبيد ومصطفى الديراني لاستخدامهما أوراق ضغط في مفاوضات غير مباشرة وهذه السوابق رسّخت في العقل السياسي الإسرائيلي قناعة بأن “العملية الجريئة” قد تكون أكثر فاعلية من المسارات القانونية والدبلوماسية مهما كانت الكلفة السياسية أو الأخلاقية
الروايات الرسمية الإسرائيلية المتكررة حول اختطاف مادورو عكست اهتماماً استراتيجياً أكبر من مجرد مواقف التأييد الكامل للعملية الأمريكية وتصريحات نتنياهو وساعر التي صدرت حينها وأشادت بالعملية كخطوة اولية لإعادة الديمقراطية وإسقاط ما وصفوه بالديكتاتور لا تعكس موقفاً سياسيًا فحسب بل استراتيجية طويلة الأمد لإبراز إسرائيل كلاعب رئيسي قادر على الاستفادة من أي تغيير دولي لصالحها وهذا التقدير يعكس خبرة إسرائيل التاريخية في التعامل مع عمليات الاختطاف والتدخلات الأجنبية وهي خلاصة خبرة طويلة تمتد من عمليات أجهزة الاستخبارات منذ فترة ادولف أيخمان وحتى تدخلاتها السرية في الشرق الأوسط وأفريقيا حيث تمتلك سجلًا حافلًا في استثمار الأحداث الدولية لتعزيز نفوذها المباشر وغير المباشر
العلاقة المتوترة بين فنزويلا وإسرائيل لا زالت تعطي مزيداً من الإيحاءات حول طبيعة التورط المحتمل فمنذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز اتسمت كراكاس بسياسات مناهضة لإسرائيل وقطعت العلاقات معها عدة مرات بسبب النزاعات في لبنان وغزة وقد احتضنت كركاس جالية عربية كبيرة تدعم القضية الفلسطينية وهذا السياق وحده يجعل أي تصريحات إسرائيلية رسمية بعد اختطاف مادورو ليست مجرد دعم عابر بل إشارة واضحة على قدرة تل أبيب على قراءة الأحداث الدولية واستثمارها لتعزيز مصالحها المتنوعة خاصة في ظل ضعف الردع التقليدي أمام القوى الكبرى وقدرتها على توجيه رسائل ضمنية إلى خصومها في المنطقة مثل إيران وحلفائها قهل وقفت إسرائيل في ظلّ المشهد وراء اختطاف مادورو
العملية الأمريكية الغادرة والإشادة الإسرائيلية بها لم تكن مجرد حدث عسكري فقط بل مؤشر على إعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية والتحركات الإسرائيل الحالية تعكس وعيًا استراتيجيًا يؤكد بأن الولايات المتحدة تعيش اليوم تحت قيادة ترامب في حالة اضطراب متصاعد وتتجه نحو سياسة القوة المطلقة حيث اصبحت أي دولة صغيرة أو متوسطة عرضة للاختبارات والابتزاز وهذا الواقع يجعل إسرائيل على الرغم من قوتها النسبية مضطرة لتعزيز تحصينها الاستراتيجي والسياسي مع التركيز على ملفات حساسة مثل إيران وغزة ولبنان بحيث يمكن لأي خطوة صغيرة أن تتحول إلى تهديد مباشر لمصالح الدولة كما ان التوقيت السياسي للعملية عكس أيضاً قراءة إسرائيلية دقيقة لأوضاع إيران حيث اصبح يُنظر إلى الاحتجاجات الداخلية والقيود الدفاعية كفرصة لإضعاف محور طهران وزيادة النفوذ الإقليمي
انطلاقاً من هذا الإرث تصبح الإشارات الفنزويلية إلى دلالات صهيونية في اختطاف مادورو جزءاً من نقاش سياسي أوسع لا مجرد توصيف عاطفي فإسرائيل التي سارعت إلى الترحيب العلني بالعملية الأميركية لم تتعامل مع الحدث كقضية أميركية – فنزويلية بحتة بل أدخلته فوراً في سياق رؤيتها للصراع العالمي وخصوصاً ما يتصل بإيران وحلفائها وهذا الترحيب لم يكن دبلوماسياً بارداً بل اتسم بلهجة احتفالية غير مسبوقة من رئيس الحكومة إلى وزير الخارجية وصولاً إلى وسائل الإعلام العبرية التي ناقشت العملية بوصفها نموذجاً يُحتذى، لا استثناءً طارئاً
السؤال الجوهري هنا ليس ما إذا كانت إسرائيل قد شاركت عملياً في تنفيذ الاختطاف إذ لا توجد أدلة معلنة تثبت ذلك بل ما إذا كانت حاضرة في العقل والقرار والتوقيت التجربة التاريخية تشير إلى أن إسرائيل غالباً ما تفضّل العمل من الخلف عبر الحلفاء الأقوياء، وخصوصاً الولايات المتحدة، عندما تكون الكلفة المباشرة مرتفعة أو عندما يتطلب الأمر غطاءً سياسياً دولياً أوسع في هذا الإطار ويمكن فهم الدعم الإسرائيلي الصريح للعملية الأميركية بوصفه تعبيراً عن تطابق المصالح وربما عن شعور بأن ما جرى في كاراكاس ينسجم تماماً مع الفلسفة الأمنية الإسرائيلية التي تشرعن اختطاف الخصوم وتقديمه كعمل دفاعي أو تحريري
الأهمية الحقيقية لاختطاف مادورو في الرؤية الإسرائيلية لا تكمن في مصير فنزويلا وحدها بل في الرسائل العابرة للقارات فالإعلام والمحللون في تل أبيب قرأوا الحدث فوراً كرسالة إلى طهران وموسكو وبكين مفادها أن عصر الخطوط الحمراء والسيادة المحمية بالقانون الدولي يتآكل وعلى وشكل الاندثار وأن منطق القوة عاد ليحكم العلاقات الدولية وهذا التحليل ينسجم مع تاريخ إسرائيلي طويل في اختبار حدود المسموح والممنوع ثم البناء على الصمت الدولي أو تواطئه لاحقاً
من هنا يصبح اختطاف مادورو سواء شاركت فيه إسرائيل بشكل مباشر أم لا حلقة جديدة في سلسلة تطبيع الخطف السياسي كأداة في النظام العالمي الناشئ وإسرائيل بتاريخها وتجربتها وخطابها الحالي تبدو من أكثر الدول استعداداً لتبنّي هذا النموذج والدفع به قدماً ليس فقط ضد خصومها المباشرين بل بوصفه سابقة يمكن استثمارها في صراعات أخرى وفي عالم تتراجع فيه المحاسبة الدولية يصبح السؤال الأخطر ليس من خطف مادورو بل من التالي وأي دولة ستجد نفسها فجأة أمام معادلة أيخمان جديدة لكن بغطاء سياسي أقوى وصمت دولي أوسع
هل يمكن اضافة ثلاث فقرات هامة ومنتجة للمقال وفي نفس السياق بالاافة الى خاتمة صارخة وواضحة
تزداد أهمية الربط بين اختطاف مادورو والدور الإسرائيلي غير المباشر عند التمعّن في البنية العميقة للعلاقة الأميركية – الإسرائيلية حيث لا تقتصر على التحالف السياسي والعسكري التقليدي بل تمتد إلى تشارك العقائد الأمنية وأدوات العمل الاستخباراتي فالولايات المتحدة خصوصاً في عهد إدارات تميل إلى منطق القوة الخشنة استفادت مراراً من الخبرة الإسرائيلية في العمليات الخاصة سواء في الاغتيالات أو الاختطافات أو إدارة الحروب الرمادية ومن هذا المنظور فإن العملية ضد مادورو قد تكون أميركية في التنفيذ العلني لكنها إسرائيلية في الروح والمنهج أي في فكرة كسر السيادة وإذلال الخصم وتحويل العملية إلى استعراض ردعي موجّه إلى أطراف أخرى أبعد من مسرح الحدث نفسه
كما لا يمكن فصل الحدث الفنزويلي عن محاولات إسرائيل الدائمة لإعادة تعريف مفهوم الشرعية الدولية فتل أبيب التي تواجه اتهامات متزايدة في المحافل الدولية ترى في سابقة اختطاف رئيس دولة بالقوة فرصة ذهبية لتقويض ما تبقى من هيبة القانون الدولي وعندما تقوم واشنطن القوة العظمى باعتقال رئيس منتخب أو معترف به من جزء كبير من العالم ثم تحظى بالدعم الإسرائيلي والغربي فإن الرسالة الضمنية واضحة لم تعد المحاكم الدولية ولا الأمم المتحدة مرجعاً حقيقياً بل القوة والتحالفات وهذا بالضبط ما تحتاجه إسرائيل في معاركها القانونية والسياسية المقبلة من غزة إلى الضفة الغربية ومن ملفات جرائم الحرب إلى شرعنة الأمر الواقع بالقوة
اللافت أيضاً أن الخطاب الإسرائيلي حول اختطاف مادورو عكس قدراً عالياً من الطمأنينة بل والثقة بأن العالم لن يحاسب وان هذه الثقة لم تأتِ من فراغ بل من تجارب متراكمة حيث نجحت إسرائيل مراراً في الإفلات من العقاب سواء بعد عمليات اغتيال في عواصم أوروبية أو بعد حروب مدمّرة في المنطقة الاحتفاء الإعلامي العبري بالعملية والجدل حول توصيفها خطف أم أسر لا يعكس نقاشاً أخلاقياً بقدر ما يعكس شعوراً بأن الخط الفاصل بين الجريمة السياسية والفعل المشروع قد تم محوه عملياً. وهذا أخطر ما في الأمر لأن تحويل الخطف إلى أداة طبيعية في السياسة الدولية يفتح الباب أمام فوضى عالمية لا ضوابط لها
في المحصلة قد لا تظهر وثيقة واحدة تثبت أن إسرائيل شاركت فعلياً في اختطاف نيكولاس مادورو لكن الوقائع السياسية والتاريخية تقول إن بصماتها حاضرة بقوة في الخلفية من أيخمان إلى فنزويلا يتكرس نموذج واحد كسر السيادة وتجاوز القانون وفرض منطق القوة باعتباره اللغة الوحيدة المفهومة والأخطر من اختطاف مادورو نفسه هو أن العالم يتجه إلى قبول هذا النموذج أو التعايش معه بصمت وعندما يصبح خطف الرؤساء أمراً قابلاً للتبرير فإن السؤال لم يعد إن كانت إسرائيل متورطة فقط بل إلى أي مدى ساهمت هي وحلفاؤها في تحويل العالم إلى ساحة مفتوحة للخطف السياسي حيث لا أحد محصّن ولا سيادة مصونة ولا قانون يُحتكم إليه إلا بقدر ما تخدمه القوة ليصبح العالم امام حقيقة مفزعة بان مادورو في القفص وأيخمان في الذاكرة والتاريخ يعيد نفسه بصورة اسوأ
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]




