المخدرات لا تقتل المتعاطي وحده.. بل ذبحت زينة المجالي في عقر دارها

بقلم: عبدالكريم الشنون
مستشار جودة الحياة والتمكين الاجتماعي

لم يكن رحيل المحامية الشابة زينة المجالي مجرد فقدٍ لقامة قانونية واعدة، بل كان زلزالاً كشف عن مدى هشاشة الأمان حين تتسلل السموم إلى أقدس زوايا السكينة. فبينما كان من المفترض أن تكون جدران المنزل هي الدرع الواقي، تحولت في لحظة غُيب فيها العقل إلى مسرح لمأساة هزت ضمير كل أردني. إن الصدمة الحقيقية لا تكمن فقط في فقدان شابة طموحة كانت تنذر حياتها للدفاع عن العدالة، بل في الكيفية التي استطاعت بها “المخدرات” أن تحول الأخ إلى أداة قتل، وتمحو في ثوانٍ عهود الأخوة ومواثيق الدم، لتتركنا أمام واقع مرير يتطلب مواجهة تتجاوز حدود العزاء.
إن المعطيات الأولية التي كشفت عنها التحقيقات تشير بوضوح إلى أن الجريمة لم تكن وليدة حقد دفين، بل كانت نتيجة “انفجار سلوكي” حدث أثناء مشادة عائلية، حيث حاولت الضحية ممارسة دورها الإنساني في الإصلاح وفض الخلاف بين والدها وشقيقها. غير أن الأداة الحادة كانت أسرع من منطق العقل، والسبب الكامن خلف هذا الاندفاع القاتل هو وقوع الجاني تحت تأثير مواد مخدرة أفقدته القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين الغريب والقريب. وهنا تظهر بشاعة هذه الآفة التي تعد سبباً رئيساً في “العقوق” وانقطاع حبال الود والرحمة؛ فهي تمحو قدسية الوالدين وهيبة الأسرة، وتحول الابن إلى خطرٍ داهم يهدد أقرب الناس إليه، لتصبح المخدرات بذلك أداة قتل صماء لا تفرق بين دم الغرباء ودم الأخوة.
من منظور جودة الحياة والتمكين المجتمعي، نجد أن المخدرات هي العدو الأول لأي مشروع نهضوي أو استقرار أسري. فبينما نسعى لتمكين الشباب ورفع سوية الرفاه النفسي والاجتماعي، تأتي هذه السموم لتهدم كل ما بنيناه، محولةً طاقات الشباب إلى أدوات للجريمة وضياع المستقبل. إن وقوع الجريمة تحت تأثير المخدرات يعني أننا لا نواجه مجرماً عادياً فحسب، بل نواجه ظاهرة عابرة للعقول تتطلب استراتيجية وطنية شاملة لا تكتفي بالعلاج الأمني، بل تمتد لتشمل الحماية المجتمعية والتحصين النفسي للأفراد منذ الصغر، لضمان عدم انجرافهم في هذا المنزلق المظلم.
إن قرار مدعي عام محكمة الجنايات الكبرى بتوجيه تهمة القتل العمد مع سبق الإصرار للجاني، استناداً إلى نصوص القانون الصارمة، يمثل الخطوة الأولى في مسار العدالة الذي ننشده جميعاً. لكن العدالة الحقيقية لروح زينة المجالي ولكل ضحايا هذا العبث، تتمثل في إعلان حرب لا هوادة فيها على مروجي وتجار هذه السموم الذين يغتالون أمان بيوتنا. إن القضاء على المخدرات لم يعد ترفاً أو مطلباً ثانوياً، بل هو ضرورة قصوى لاستعادة جودة الحياة في مجتمعنا، وضمان ألا يذهب دم زينة هباءً، بل يكون صرخة توقظ الضمائر وتدفعنا نحو بناء مجتمع خالٍ من السموم، تسوده السكينة ويحكمه العقل والرحمة. (edited)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى