لقاء بين كبار العلماء وكبار السياسيين

إلهام لي تشاو

في المشهد الدولي الراهن، غالبا ما يُنظر إلى العلم والسياسة باعتبارهما مجالين منفصلين:
العلم لغة تقوم على الدليل والعقلانية والتفكير طويل الأمد،
والسياسة ساحة تحكمها موازين القوة، والتسويات، والقيود الواقعية.
غير أن ما شهدته المنطقة هذا العام في الشرق الأوسط يشير إلى محاولة واعية لكسر هذا الفصل التقليدي. فانعقاد قمة كبار العلماء العالمية متزامنة ومتصلة زمنيا وموضوعيا مع القمة العالمية للحكومات لم يكن مجرد تتابع في المواعيد، بل عكس توجها واضحاً لربط النقاش العلمي مباشرة بأجندة صناع القرار العالميين.
هذه الصلة لا تقوم على المجاملة أو الرمزية، بل على طبيعة القضايا المطروحة نفسها. فالموضوعات التي ناقشها كبار العلماء من الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ، إلى الصحة العامة والتحول في أنماط الطاقة لم تعد شؤونا تقنية، بل إنها قضايا ذات أثر عابر للحدود، تمس الأمن الاقتصادي والاجتماعي والبيئي للدول، وتفرض نفسها بوصفها تحديات حوكمة قبل أن تكون إنجازات علمية.
في المقابل، جاءت القمة العالمية للحكومات لتتناول الوجه الآخر من المعادلة نفسها: كيف يمكن تحويل هذه المعارف العلمية المتسارعة إلى سياسات عامة قابلة للتنفيذ؟ وكيف يمكن للدول أن تتعامل مع التكنولوجيا بوصفها أداة إدارة للمخاطر، لا مصدرا جديدا للانقسام أو سلاحا في صراعات النفوذ؟
من هذه الزاوية، فإن اللقاء بين كبار العلماء وكبار السياسيين يعكس تحولا أعمق في بنية الحوكمة العالمية. فالعلم لم يعد في الهامش، والسياسة لم تعد قادرة على تجاهل القيود التي تفرضها الحقائق العلمية. التقدم التكنولوجي أصبح عاملاً ضاغطاً على القرار السياسي، يحدد الخيارات الممكنة بقدر ما يفتح آفاقاً جديدة.
اختيار الشرق الأوسط مسرحا لهذا التقاطع ليس أمرا عابرا. فالمنطقة تشهد منذ سنوات استثمارات واسعة في مجالات الطاقة المتجددة، والتحول الرقمي، وبناء المدن الذكية، ما يجعلها في حاجة فعلية إلى دمج العلم في منظومات الحكم. وفي الوقت نفسه، وفي ظل تصاعد الاستقطاب بين القوى الكبرى، تبدو المنطقة أكثر استعدادا لاستضافة منصات حوار لا تقوم على الاصطفاف الأيديولوجي، بل على البراغماتية وحساب المصالح.
اللافت أن قمة كبار العلماء لم تسعَ إلى تقديم وصفات سياسية جاهزة، بل ركزت على توضيح حدود التكنولوجيا ومخاطرها وإمكاناتها الواقعية. هذا الدور يمنح صناع القرار “أرضية عقلانية” للنقاش، بدلاً من دفعهم نحو شعارات أو حلول متسرعة. أما القمة العالمية للحكومات، فقد تعاملت مع هذه المعطيات بوصفها مدخلا لتصميم أطر مؤسسية، وآليات تعاون، وسياسات عامة تتناسب مع واقع دولي شديد التعقيد.
هذا التقسيم في الأدوار يعكس منطقا جديدا في إدارة الشأن العالمي:
العلم يحدد ما هو ممكن وما هو محفوف بالمخاطر، والسياسة تقرر كيف ومتى وبأي كلفة يتم التحرك.
وعندما يوضع الاثنان ضمن مسار واحد ومنسق، فإن الرسالة تكون واضحة: الحوكمة في المستقبل لن تقوم على القوة وحدها، ولا على التقنية وحدها، بل على توازن دقيق بين العقلانية العلمية والواقعية السياسية.
لذلك، فإن أهمية هذا التلاقي بين القمتين لا تكمن في عدد التوصيات أو البيانات الختامية، بل في الإشارة التي يبعث بها إلى النظام الدولي. ففي عالم يتزايد فيه الانقسام وتُستخدم فيه التكنولوجيا أحياناً كأداة صراع، تظل هناك محاولة ولو محدودة لإعادة إدخال العلم بوصفه لغة مشتركة في قلب القرار السياسي.
عندما يلتقي كبار العلماء بكبار السياسيين، فإن الاختبار الحقيقي لا يكون لمن يمتلك الصوت الأعلى، بل لقدرة النظام الدولي على إيجاد توازن جديد بين سرعة التقدم العلمي وتعقيدات الواقع السياسي. وهذا التوازن، إن تحقق، قد يكون أحد المفاتيح القليلة المتبقية لإدارة عالم يزداد اضطراباً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى