ريتشارد لو مانز: التصوير شاهد على تحولات العالم ومحرك للنقاش العام

أكد الفنان البصري الإسباني ريتشارد لو مانز، أن التصوير بات اليوم شاهداً فاعلاً على التحولات التي يعيشها العالم، وقادراً على تحفيز التفكير النقدي والمساءلة الأخلاقية، مشدداً على ضرورة الانتقال من الاكتفاء بتوثيق الحاضر إلى تصوير وعكس أفكار قادرة على التأثير في وعي المتلقي وسلوكه، بما يفتح مساحة أعمق للتواصل مع الطبيعة والكوكب.
وأوضح أن مفهوم “اللحظة الحاسمة” لا يرتبط لديه بالتقاط مناظر جميلة عابرة فحسب، بل بالاستجابة الواعية والفورية لما يعيشه العالم اليوم، والعمل على جعل الصورة أداة للفهم ومحفزاً لاتخاذ القرار في الزمن الراهن.
جاء ذلك خلال جلسة بعنوان “اللحظة الحاسمة: التصوير كقوة تحويلية”، ضمن فعاليات النسخة العاشرة من المهرجان الدولي للتصوير “اكسبوجر 2026″، والتي أدارها خبير التصوير لارس بورينغ، حيث شدد لو مانز، على أن دور المصور يتجاوز إنتاج الصورة ويمتد لتحمّل مسؤولية فكرية تجاه القضايا العالمية الملحّة، وربطها بحياة الناس اليومية، ولا سيما قضايا المناخ والاستدامة والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية.
وقال لو مانز، إن علاقته بالطبيعة شكّلت نقطة الانطلاق في تجربته الفنية، مستشهداً بحياته في شمال إسبانيا وسط بيئة طبيعية وصفها بالمذهلة، موضحاً أن المشي في الغابات ومشاهدة جمالها كان يقترن لديه بقلق حقيقي من احتمالات التهديد والاختفاء. وأضاف أن هذا التناقض بين الجمال والخطر جعل الطبيعة محوراً أساسياً في أعماله، لافتاً إلى أن الجانب التقني لا يشكّل لديه التحدي الأبرز بقدر ما يُعد خطوة ضمن مسار أوسع، تتقدّم فيه الفكرة والرسالة على جمالية الصورة وحدها.
ضرورة تغيير طريقة التفكير لأجل الكوكب
وأشار المصور الإسباني إلى أن رسالته تطورت لتتجاوز مشاهد الطبيعة، لتشمل قضايا التغير المناخي وما يرتبط به من أبعاد اجتماعية واقتصادية وبيئية، مؤكداً أن طريقة التفكير في كيفية نقل الصورة يعد المدخل الحقيقي للتغيير الفعلي على أرض الواقع.
وأضاف أن رحلته الأولى إلى نيبال عام 2016 شكّلت محطة فارقة في مسيرته، حيث تلت وقوع الزلزال المدمّر، بينما كان يعمل على مشروع تلفزيوني في المنطقة. وأوضح أن مشاهد الدمار تركت أثراً صادماً لديه، ودفعته إلى التساؤل حول ما يمكن للصورة أن تقدّمه للناس في لحظات الأزمات، مشيراً إلى أنه قرر آنذاك تحويل مشروعه الفني لدعم المتضررين وجمع التبرعات.
وأوضح لو مانز أنه بعد تلك التجربة انخرط في مسار عمل امتد لعامين، انطلق من محيطه القريب ومشاريعه المرتبطة بالناس، معتبراً أن هذه المرحلة كشفت له قدرة التصوير على إحداث تأثير مباشر في حياة الأفراد، وتحويل الصورة من منتج بصري إلى فعل متصل بالواقع ومسؤولية اجتماعية.
أثر الإنسان على الكوكب
وأوضح المصور الحائز على عدد من الجوائز العالمية أنه بات ينظر إلى التصوير بوصفه “شاهداً” يمكن أن يفتح نقاشاً عاماً ويقود المتلقي إلى التفكير، في سياق حديثه عن الحاجة إلى الانتقال من تصوير الحاضر إلى الاتجاه نحو المستقبل كرسالة تحذير وتواصل مع الكوكب.
وأشار إلى انتقاله نحو التصوير المفاهيمي، موضحاً أن مفهوم “الخوف” يحضر في أعماله بوصفه حالة ذهنية تؤثر في سلوك الأفراد والمجتمعات، وأنه يوظف أدواته الإبداعية —من تصميم المشهد والإضاءة إلى الرمزية البصرية— لتقديم أعمال تتناول أسئلة تهدف لبناء مجتمع أكثر وعياً ومسؤولية، عبر صيغ عرض تتجاوز اللقطة الواحدة.
وشدد لو مانز، على أن “اللحظة الحاسمة” لا تعني انتظار تلاقي عناصر المشهد لالتقاط صورة ناجحة، بل تعني عدم الانتظار، والاستجابة لما يعيشه العالم اليوم، وتسخير إمكانات التصوير لمساعدة الناس على فهم ما يحدث وما يترتب عليه.
وأضاف أنه يعتمد في بناء مشاريعه على البحث والاستقصاء والتواصل مع الخبراء، مستنداً إلى تقارير ومراجع صادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، إلى جانب نقاشات موسّعة مع علماء ومتخصصين، ضمن مشاريع تتناول قضايا مثل المناخ والتلوث البلاستيكي والمياه. ولفت إلى أن كثافة الأخبار وتكرار الصور قد تؤدي إلى تجمّد مشاعر المتلقي، وهو ما يسعى إلى كسره عبر طريقة الصورة وسبل تقديمها، بما يعيد تحفيز الوعي العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى