يلدس عثماني: التجديف أسلوب حياة.. ومنصات التتويج لا تعترف إلا بالانضباط

في قلب “دورة الألعاب للأندية العربية للسيدات 2026″، وتحديداً على ضفاف كورنيش الحمرية الذي احتضن منافسات التجديف الشاطئي في نسختها الأولى، برز اسم البطلة التونسية يلدس الأزهاري عثماني، لاعبة نادي جمعية طبرقة للرياضات البحرية والصيد التي حصدت فضية منافسات التجديف فردي وذهبية منافسات الزوجي. لم تكن يلدس مجرد متنافسة تبحث عن رقم جديد، بل كانت تحمل معها إرثاً من الطموح وخلفية رياضية تشكلت ملامحها في سواحل تونس الخضراء.
بصمة الأم وتوجيهات البداية
عندما تسأل يلدس عن سر تألقها اللافت في هذه الدورة، لا تذهب بعيداً في البحث عن إجابات تقنية معقدة، بل تعود بذاكرتها إلى البيت الأول. تقول يلدس بنبرة يملؤها الامتنان: “السر يكمن في والدتي؛ فهي التي غرست فيّ حب التجديف منذ نعومة أظفاري. لم يكن الأمر مجرد تشجيع عابر، بل هيأت لي أفضل الأجواء والمناخات لممارسة هذه الرياضة باحترافية عالية في سواحل تونس”.
وتضيف: “من والدتي تعلمت أن الإخلاص والمثابرة هما الوقود الحقيقي لأي نجاح. هذا التأسيس النفسي والبدني هو ما جعلني أتميز في شواطئ تونس وبحار أفريقيا في سن مبكرة جداً، حيث بدأت ملامح الاحتراف تظهر عليّ وأنا في العاشرة من عمري فقط”.
هذا النبوغ المبكر لم يمر مرور الكرام، إذ لفتت انتباه المدرب القدير “سفيان” وإدارة نادي جمعية طبرقة للرياضات البحرية والصيد، ليبدأ بعدها مشوار الرعاية الاحترافية وفق منظومة متكاملة لا تقتصر على التمارين الفنية فحسب، بل تمتد لتشمل أدق تفاصيل نمط الحياة من تغذية وجدولة تدريبات صارمة.
البقاء أصعب من الوصول
تتحدث يلدس الأزهاري عثماني عن منصات التتويج بعقلية الرياضي الناضج الذي يدرك أن الميدالية ليست هي المحطة الأخيرة. توضح قائلة: “الحفاظ على التميز واعتلاء منصات التتويج باستمرار أصعب بكثير من الوصول إليها للمرة الأولى. في رياضة التجديف، بمجرد أن يتسلل إليك الوهم بأنك وصلت إلى خط النهاية أو حققت المبتدأ، تبدأ نهايتك الفعلية مع هذه الرياضة”.
وتستطرد في شرح متطلبات اللعبة: “التجديف ليس مجرد قوة عضلية، بل هو توازن دقيق يتطلب صفاءً ذهنياً عالياً ولياقة بدنية استثنائية. لكي تكون صديقاً حميماً لمنصات التتويج، عليك أن تعيش حياة منضبطة بكل ما للكلمة من معنى، فالانضباط هو الجسر الرابط بين الأهداف والإنجازات”.
من القاهرة إلى ليتوانيا
لا تتحدث يلدس من فراغ، فسجلها الرياضي خلال الأعوام الأخيرة يضعها في مصاف النخبة العالمية. استعرضت يلدس أبرز محطاتها الخارجية قائلة: “عام 2024 كان نقطة تحول كبرى بحصولي على المركز الأول والميدالية الذهبية في البطولة الأفريقية بجمهورية مصر العربية. استمر هذا الزخم في عام 2025، حيث حققت المركز الأول وذهبية التجديف في جنوب أفريقيا”.
ولم تقف الطموحات عند حدود القارة السمراء، بل امتدت للعالمية: “في عام 2025 أيضاً، تشرفت بالمشاركة في بطولة العالم في ليتوانيا، حيث تمكنت من إحراز المركز الأول. كما كانت لي مشاركة متميزة في بطولة العالم للتجديف في الصالات، حيث نجحت في أن أكون ضمن الخمسين الأوائل على مستوى العالم، وهي إنجازات أعتز بها وأعتبرها دافعاً للمزيد”.
دورة الألعاب العربية
عن مشاركتها في النسخة الثامنة من دورة الأندية العربية للسيدات، وتحديداً في تدشين النسخة الأولى من سباقات التجديف الشاطئي، عبرت يلدس عن فخرها العميق: “أن نكون نحن اللاعبات العربيات الجيل الذي يدشن هذه الرياضة في الدورة، هو أمر يدعو للفخر والاعتزاز. الأجواء هنا في الشارقة وفي كورنيش الحمرية تجاوزت البعد التنافسي لتصبح أجواءً عائلية بامتياز”.
وتضيف بابتسامة: “لقد اكتسبت هنا جرعات مضاعفة من الأمل والتفاؤل، وربحت صداقات جديدة، خاصة من الزميلات في دولة الكويت اللواتي أحببتهن بصدق. كما كانت الدورة فرصة رائعة لتجديد اللقاء بصديقاتي من مصر والمغرب، اللواتي عرفتهن في البطولات الأفريقية السابقة، وهذا هو الجوهر الحقيقي للرياضة؛ تقريب المسافات وتوطيد العلاقات”.
الإمارات ريادة في التنظيم
لم تخلُ كلمات البطلة التونسية من الإشادة بالتجربة الإماراتية في تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى. قالت يلدس: “أكنّ كل التقدير والمشاعر الصادقة للشعب الإماراتي الودود الذي يغمر ضيوفه بلطفه وصدقه. أما عن التنظيم، فما رأيته في هذه الدورة يؤكد أن دولة الإمارات باتت مؤهلة، بل ومتميزة، لتنظيم أضخم البطولات العالمية في التجديف ومختلف الألعاب الرياضية باحترافية لا تضاهى”.
وفي ختام حديثها، وجهت يلدس رسالة شكر وعرفان خاصة: “أتوجه بأسمى آيات الشكر والتقدير إلى قرينة صاحب السمو حاكم الشارقة، سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، على دعمها اللامحدود وسخائها الكبير في دعم رياضة المرأة العربية. هذا العطاء الذي لا يعرف الكلل هو السبب الرئيس وراء تطور هذه الدورة من نسخة إلى أخرى”.





