ميرتس في بكين: لماذا لا تملك ألمانيا بديلا حقيقيا للصين؟
إلهام لي تشاو
زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى بكين لا يمكن قراءتها فقط كتحرك دبلوماسي عابر أو كرسالة تهدئة اقتصادية مؤقتة. من زاوية النظر الصينية، تكشف الزيارة حقيقة أكثر عمقا: ألمانيا تستطيع أن تتحدث عن تنويع الشركاء وتقليل المخاطر، لكنها لا تستطيع عمليا العثور على بديل شامل للصين في المدى المنظور.
السبب الأول هو حجم السوق الصينية. ألمانيا دولة صناعية تعتمد بقوة على التصدير، وصناعاتها الكبرى ــ خاصة السيارات والآلات والكيماويات ــ تحتاج إلى أسواق واسعة ومستقرة وقادرة على استيعاب المنتجات والاستثمارات على المدى الطويل. الصين ليست مجرد سوق بيع، بل عنصر مؤثر في قرارات الشركات الألمانية المتعلقة بالإنتاج والتوسع والبحث والتطوير. لذلك، فإن تقليص الحضور في الصين لا يعني خسارة بعض الصفقات فقط، بل قد يضعف القدرة التنافسية للصناعة الألمانية عالميًا.
السبب الثاني هو تكامل المنظومة الصناعية في الصين. القضية لم تعد مرتبطة فقط بانخفاض التكلفة، بل بوجود بيئة صناعية كاملة: سلاسل إمداد واسعة، شبكة موردين متخصصة، بنية لوجستية فعالة، وقدرة عالية على التكيّف السريع. هذا النوع من النظام الصناعي المركّب لا يمكن نقله بسهولة إلى سوق أخرى خلال فترة قصيرة، حتى لو وجدت رغبة سياسية في ذلك.
أما السبب الثالث فهو أن الصين أصبحت بالنسبة إلى ألمانيا ساحة نمو وتنافس في الوقت نفسه. برلين ترى بكين منافسا في التكنولوجيا والتحول الأخضر والصناعات الجديدة، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى السوق الصينية وإلى فهم ديناميكيتها السريعة. هنا تكمن المفارقة: المنافسة مع الصين لا تُلغي الحاجة إليها، بل تجعل التواصل معها أكثر ضرورة.
لهذا، فإن زيارة ميرتس لا تعني تحولًا ألمانيا كاملا نحو الصين، كما لا تعني تراجعا عن الخلافات. معناها الأوضح هو أن برلين تحاول إدارة التوازن بين ضغوط السياسة الغربية ومتطلبات الاقتصاد الألماني. أي أنها تمارس معايرة براغماتية. تخفيض المخاطر قدر الإمكان، من دون قطع العلاقة مع شريك لا يمكن استبداله بسهولة.
الخلاصة أن العلاقات الصينية-الألمانية ستبقى على الأرجح محكومة بمعادلة واضحة: تعاون ضروري، وخلافات مستمرة. لكن بالنسبة إلى ألمانيا، تظل إدارة الخلاف مع الصين أكثر واقعية من محاولة تجاوز الصين نفسها.





