الأكراد والحرب على طهران .. من ورقة ضغط سياسية إلى جبهة قتال محتملة

د. مهدي مبارك عبد الله

الصراعات في الشرق الأوسط لا تتحرك في خطوط مستقيمة بل عبر تضاريس معقدة من التاريخ والهويات والحدود المرسومة على عجل بعد انهيار الإمبراطوريات وفي قلب هذه الجغرافيا يبرز الأكراد باعتبارهم واحدة من أكبر القوميات التي توزعت بين أربع دول رئيسية هي إيران والعراق وتركيا وسوريا وعلى امتداد قرن كامل ظل هذا الامتداد القومي مصدر قلق استراتيجي لتلك الدول التي تعاملت مع المسألة الكردية باعتبارها قضية أمن قومي بقدر ما هي قضية سياسية واجتماعية وفي عمق هذا السياق يتداخل التنافس التاريخي بين أنقرة وطهران على النفوذ في مناطق الجبال والحدود مع محاولات القوى الدولية واستثمار الورقة الكردية بوصفها أداة ضغط إقليمية قادرة على إرباك موازين القوة في المنطقة

الأكراد الذين تلقوا في العقود الأخيرة دعماً عسكرياً وسياسياً من الولايات المتحدة وبنواعلاقات مفتوحة مع إسرائيل وتحولوا تدريجياً إلى أحد اهم عناصر اللعبة الجيوسياسية المعقدة التي تحيط بإيران من أطرافها الغربية والشمالية وقد تعزز هذا الدور بعد تثبيت حضور عسكري واستخباري غربي في مدن إقليم كردستان العراق وفي مقدمتها أربيل التي تحولت خلال العقدين الماضيين إلى مركز إقليمي للتنسيق الأمني والاستخباري في شمال العراق وإلى منصة لعمليات مرتبطة بالصراع الأوسع مع طهران وحين تقترب الجبال من النار قد تتحول كردستان إيران في لحظة عاجلة إلى الجبهة الخفية في الحرب على طهران

بعد التصعيد العسكري الاخير المتبادل بين إيران وخصومها الإقليميين والدوليين بدأت تبرز على هامش المشهد مؤشرات على احتمال فتح جبهة جديدة في غرب البلاد حيث تنتشر الكتلة السكانية الكردية على طول الشريط الحدودي مع العراق وقد ترافق هذا الاحتمال مع تقارير عن اتصالات غير معلنة بين مسؤولين أمريكيين وبعض التنظيمات الكردية الإيرانية المسلحة المتمركزة في مناطق جبلية داخل إقليم كردستان العراق وهذه الاتصالات لا تعني بالضرورة أن قرار المواجهة البرية قد اتخذ بالفعل لكنها تكشف عن نقاش استراتيجي يدور في الكواليس حول إمكانية نقل الصراع من مستوى الضربات الجوية والعمليات غير المباشرة إلى نمط أكثر تعقيداً يقوم على تحريك ” فاعلين محليين ” داخل الجغرافيا الإيرانية نفسها وبهذا المعنى فإن فكرة فتح الجبهة الكردية لا تنفصل عن مفهوم أوسع للحرب الهجينة التي تسعى إلى الجمع بين الضغط العسكري الخارجي وتنشيط بؤر الاضطراب الداخلية في آن واحد

التحركات الميدانية للفصائل الكردية الإيرانية تتركز في المناطق الجبلية الممتدة بين محافظة السليمانية العراقية والحدود الإيرانية وصولاً إلى مدن مثل بيرانشهر وسردشت داخل الأراضي الإيرانية وفي هذه المنطقة الوعرة تنتشر قواعد عسكرية صغيرة ومراكز تدريب تابعة لعدة تنظيمات كردية معارضة لطهران من بينها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وحزب الحرية الكردستاني PAK وحزب كومله وحزب الحياة الحرة الكردستاني PJAK وقد دفعت هذه التنظيمات خلال الأسابيع الأخيرة مجموعات من مقاتليها إلى مواقع متقدمة قرب الحدود في خطوة مريبة فُسرت على أنها استعداد لعمليات تسلل محدودة داخل العمق الإيراني إذا ما توافرت الظروف العسكرية والسياسية المناسبة لذلك

الجغرافيا هنا ليست مجرد خلفية للصراع بل هي أحد أهم عناصره والمناطق الكردية في غرب إيران تمتد على طول سلسلة جبال جبال زاغروس التي تشكل حاجزاً طبيعياً هائلاً بين الهضبة الإيرانية وسهول بلاد الرافدين وهذه الجبال التي تتخللها ممرات ضيقة ووديان عميقة وفرت عبر التاريخ بيئة مثالية لحرب العصابات ولحركات التمرد المحلية التي تعتمد على وحدات صغيرة سريعة الحركة كما أن القرى المتناثرة في هذه المنطقة ترتبط بعلاقات اجتماعية وعائلية مع المجتمعات الكردية على الجانب العراقي من الحدود وهو ما يخلق شبكة تواصل طبيعية تسمح بمرور الأفراد والإمدادات عبر ممرات جبلية استخدمت لعقود في عمليات التهريب والتنقل غير الرسمي

التنظيمات الكردية تدرك أن اللحظة الإقليمية الحالية قد تكون فرصة لإعادة طرح مطالبها السياسية التي تعود جذورها إلى عقود طويلة من التوتر مع الدولة الإيرانية فمنذ سقوط تجربة جمهورية مهاباد 1946 التي شكلت أول محاولة حديثة لإنشاء كيان كردي في إيران بقيت الذاكرة القومية الكردية تستحضر تلك اللحظة بوصفها رمزاً سياسياً لمشروع الحكم الذاتي وبعد قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 دخلت المناطق الكردية في مواجهات عسكرية عنيفة مع السلطة المركزية انتهت بتثبيت سيطرة الدولة ونزوح العديد من قادة التنظيمات المسلحة إلى شمال العراق حيث تشكلت هناك بنية المعارضة الكردية الإيرانية في المنفى

خلال العقود المتعاقبة حافظت هذه التنظيمات على حضور مزدوج يجمع بين النشاط السياسي والعمل المسلح المحدود عبر الحدود ومع اندلاع الحروب الإقليمية في العراق وسوريا اكتسب العديد من المقاتلين الأكراد خبرات عسكرية جديدة خصوصاً في القتال غير النظامي والعمليات الجبلية كما شارك بعضهم في المعارك ضد تنظيم داعش ضمن تحالفات أمنية دعمتها الولايات المتحدة وهو ما وفر لهم تدريباً وتسليحاً وخبرة قتالية تراكمت بمرور الوقت

في المقابل لا تنظر طهران إلى هذه التحركات بوصفها مجرد نشاط معارض محدود فقط بل باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تطويقها من الداخل والفكر الأمني الإيراني بهذا الصدد ينطلق من قناعة راسخة بأن خصوم الجمهورية الإسلامية يسعون إلى استغلال التعدد القومي في البلاد لتحويل الأطراف الجغرافية إلى نقاط ضغط دائمة على المركز ولهذا تعاملت الأجهزة الأمنية الإيرانية خلال السنوات الماضية مع المناطق الكردية والبلوشية باعتبارها جبهات محتملة لأي صراع إقليمي واسع

المعطيات الميدانية تشير بوضوح إلى أن طهران بدأت بالفعل تعزيز حضورها العسكري في المحافظات الغربية التي تضم مدناً رئيسية مثل سنندج وكرمانشاه ومهاباد حيث تشارك في هذه الانتشار قوات من الحرس الثوري الإيراني إضافة إلى وحدات من قوات التعبئة المعروفة باسم الباسيج التي تمتلك خبرة طويلة في مواجهة التمردات المحلية وتعتمد الاستراتيجية الإيرانية على تأمين المدن الكبرى والطرق الحيوية بين المحافظات وفرض رقابة أمنية مشددة على الممرات الحدودية في محاولة لمنع أي تسلل واسع النطاق للمقاتلين الاكراد

كما لا تتردد طهران في توجيه ضربات صاروخية أو هجمات بالطائرات المسيّرة ضد مواقع الفصائل الكردية داخل الأراضي العراقية خاصة عندما ترى أن هذه المواقع تشكل تهديداً مباشراً لأمنها حيث تستهدف هذه الضربات عادة معسكرات التدريب ومخازن السلاح ومراكز القيادة في محاولة عاجلة لقطع خطوط الإمداد التي تعتمد عليها التنظيمات المسلحة في عملياتها عبر الحدود

على المستوى الاستراتيجي الأوسع تبدو فكرة الجبهة الكردية جزءاً من تصور عسكري يسعى إلى تشتيت القدرات الإيرانية عبر فتح عدة مسارح للصراع في الوقت نفسه وبدلاً من مواجهة مباشرة واسعة النطاق يمكن للقوى المعادية لطهران أن تدفع فاعلين محليين إلى التحرك في مناطق الأطراف بينما تستمر الضغوط العسكرية والاقتصادية في جبهات أخرى وهذا النموذج من الحروب المعاصرة يقوم على مبدأ استنزاف الخصم وإجباره على توزيع قواته وموارده العسكرية والأمنية على مساحات جغرافية واسعة

ان تحويل هذا التصور إلى واقع ميداني يواجه تحديات كبيرة خصوصا ان إيران تمتلك خبرة طويلة في إدارة الصراعات الداخلية وفي احتواء الحركات المسلحة في المناطق الجبلية كما أن الدولة ما زالت تحتفظ بسيطرة إدارية وأمنية قوية على المدن الرئيسية في المحافظات الكردية وهو ما يقلل من فرص تحويل عمليات التسلل المحدودة إلى حركة تمرد واسعة النطاق إضافة إلى ذلك فإن البيئة الإقليمية نفسها معقدة إلى حد يجعل من الصعب على أي حركة كردية أن تخوض حرباً طويلة من دون أن تصطدم بحسابات الدول المجاورة التي تخشى بدورها انتقال عدوى النزعات الانفصالية إلى أراضيها

من زاوية أخرى فإن انخراط الفصائل الكردية في مواجهة مباشرة مع الجيش الإيراني قد يحمل مخاطر استراتيجية على المشروع السياسي الكردي نفسه والتاريخ القريب في المنطقة يظهر أن الحركات الكردية غالباً ما كانت تتحول إلى أدوات في صراعات القوى الكبرى قبل أن تجد نفسها في مواجهة عواقب تلك الصراعات عندما تتغير موازين القوى ولهذا فإن تحويل الأكراد إلى رأس حربة في هجوم بري على إيران قد يفتح أمامهم معركة غير متكافئة مع دولة تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية واسعة وقدرة عالية على إدارة الحروب الطويلة

استراتيجيا يبدو ان فتح الجبهة الكردية المحتملة في غرب إيران هو أقرب إلى ورقة ضغط استراتيجية منها إلى حرب وشيكة والمعطيات الحالية تشير إلى استعدادات وتحركات ومشاورات مختلفة ومكثفة لكنها لا تقدم دليلاً حاسماً على أن قرار المواجهة الكبرى قد اتخذ بالفعل ومع ذلك فإن مجرد تداول هذا السيناريو يعكس طبيعة المرحلة التي قد دخلتها المنطقة حيث أصبحت الحدود الجبلية والهوامش القومية جزءاً من معادلة الصراع الإقليمي الممتد

ختاما : وفق هذا المنظور قد يكون الخيار الأكثر حكمة وعقلانية بالنسبة للحركات الكردية المسلحة هو تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة وواسعة مع القوات الإيرانية أو التحول إلى أداة عسكرية في صراع إقليمي أكبر منها خاصة وان القضية الكردية التي عاشت قرناً كاملاً من التقلبات تحتاج إلى ترتيبات سياسية طويلة النفس أكثر من الدخول في مغامرات عسكرية قد تعيد إنتاج دورات جديدة من العنف والخسارة كما ان تحويل الجبال الكردية إلى منصة حرب إقليمية مفتوحة قد يكون مكسباً مؤقتاً لقوى خارجية لكنه يحمل في طياته مخاطر كبيرة على مستقبل الأكراد أنفسهم وعلى استقرار منطقة تعيش فوق فوهة بركان سياسي وأمني لا يهدأ بتاتا

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى