الصين والصراع الأمريكي-الإيراني: لماذا هذا الحذر؟
إلهام لي تشاو
شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران، وردت طهران بسلسلة من الهجمات الانتقامية، ما أدى إلى تصاعد سريع في التوترات الأمنية في الشرق الأوسط. ولم يقتصر تأثير المواجهة على الأراضي الإيرانية والإسرائيلية فقط، بل امتد أيضا إلى أمن الملاحة الجوية والبحرية في منطقة الخليج، فضلا عن أسواق الطاقة العالمية.
في هذا السياق، لم تعلن بكين اصطفافا واضحا إلى جانب أي طرف، كما لم تطلق مبادرات دبلوماسية صاخبة. ولذلك ذهب بعض المراقبين إلى القول إن الصين اختارت “البقاء في الظل” خلال هذه الجولة من التصعيد. غير أن قراءة أوسع لمواقف الصين خلال فترة انعقاد الدورتين السنويتين في بكين، إلى جانب التحركات الدبلوماسية التي جرت في الأيام الأخيرة، تشير إلى أن الصين لم تكن غائبة عن المشهد، بل تبنّت أسلوبا دبلوماسيا مألوفا لديها: وضوح في المبادئ، حذر في النبرة، واستمرار في التحرك عبر القنوات الدبلوماسية.
فخلال المؤتمر الصحفي لوزير الخارجية الصيني على هامش الدورتين، أكد وزير الخارجية الصيني أن الأولوية الملحّة حاليا تتمثل في وقف إطلاق النار ومنع توسع الصراع. كما شددت الصين على ضرورة احترام سيادة الدول وأمنها وسلامة أراضيها، وعلى معارضة استخدام القوة دون تفويض. وفي الوقت نفسه، أكدت أن القضايا الساخنة في المنطقة لا يمكن حلها إلا من خلال الحوار السياسي والمفاوضات الدبلوماسية، وليس عبر الوسائل العسكرية.
وبالتوازي مع هذه التصريحات، استمرت الاتصالات الدبلوماسية الصينية مع أطراف متعددة. فقد أجرى وزير الخارجية الصيني اتصالات مع عدد من نظرائه لبحث تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، كما يقوم المبعوث الصيني الخاص لشؤون الشرق الأوسط بزيارة دول في المنطقة. ويبدو أن تركيز بكين لا ينصب على اختيار طرف في الصراع، بل على محاولة خفض التصعيد ومنع اتساع دائرة المواجهة.
ويعكس الموقف الصيني في هذه الأزمة نمطا أخذ يتبلور في سياسة الصين تجاه الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. أولا، أصبحت مصالح الصين في المنطقة أكثر تنوعا وتعقيدا. فالصين تعد شريكا تجارياً مهما لإيران، وفي الوقت ذاته ترتبط بعلاقات تعاون وثيقة مع دول الخليج مثل السعودية والإمارات. وفي ظل هذا التشابك في المصالح، تميل الصين إلى التركيز على استقرار المنطقة ككل.
ثانيا، تسعى الصين إلى الحفاظ على هامش من المرونة الدبلوماسية. فتبني مواقف حادة في المراحل الأولى من أي صراع قد يحد من القدرة على لعب دور في التهدئة أو الوساطة لاحقا. وقد عززت التجربة الدبلوماسية الصينية في السنوات الأخيرة، بما في ذلك دورها في التقارب بين السعودية وإيران، هذا التوجه القائم على تشجيع الحوار وخفض التوتر.
كما تولي الصين اهتماماً كبيراً بمخاطر امتداد الصراع. فأي تصعيد واسع في الشرق الأوسط سيؤثر مباشرة على إمدادات الطاقة وأمن طرق الملاحة البحرية. وبالنسبة لدولة تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة من منطقة الخليج، فإن منع اتساع رقعة الحرب يمثل مصلحة استراتيجية واضحة. ولذلك تميل بكين إلى التركيز على إدارة المخاطر واحتواء التصعيد، بدلاً من الدخول في منافسة خطابية أو سياسية حادة.
ومن خلال تصريحات وزير الخارجية الصيني خلال الدورتين، يتضح أن منطق السياسة الصينية في الشرق الأوسط يستند إلى مجموعة من المبادئ المتكررة: احترام سيادة الدول والقانون الدولي، معارضة الإفراط في استخدام القوة، دعم الحلول السياسية للنزاعات، وتشجيع دول المنطقة على معالجة خلافاتها عبر الحوار.
وهكذا، قد يبدو الموقف الصيني في هذه الجولة من الصراع هادئا نسبيا، إلا أن هذا الهدوء لا يعني الغياب، بل تحاول بكين المشاركة في شؤون الشرق الأوسط بأسلوب أكثر حذرا: تجنب الانخراط المباشر في الصراع، مع الحفاظ على مساحة تسمح لها بالمساهمة في دفع الحلول الدبلوماسية. وفي ظل حالة عدم اليقين التي ما زالت تحيط بالوضع الإقليمي، من المرجح أن يظل هذا النهج القائم على المشاركة الهادئة وإدارة المخاطر سمة أساسية في تعامل الصين مع أزمات الشرق الأوسط.




