نحيِّها لنحيا

بقلم: نادية إبراهيم نوري

اقتبستُ عنوان مقالي من برنامج يُعرض في شهر رمضان، يدعو إلى ترسيخ المثل العليا والأخلاق السامية في ديننا الحنيف، من خلال سرد قصص من تاريخنا العريق المليء بالدروس والعبر. وهو ما يختلف عمّا اعتدنا عليه في لحظة الإفطار، حين ينشغل الصائمون بمتابعة البرامج الخفيفة والمسلية، فيجتمع أفراد الأسرة – خاصة الأطفال – حول الشاشة حتى يحين وقت الإفطار بهدوء.

بدأتُ طفولتي مع فوازير رمضان مع المبدعة نيلي، ثم فوازير عمو فؤاد، وبعدها شريهان وقصص ألف ليلة وليلة. كانت تلك البرامج ممتعة وتناسب الذوق العام، وتشد انتباه الأطفال وربات البيوت، خاصة مع ما تتضمنه من فوازير وجوائز قيمة.

لكن خلال السنوات العشر الأخيرة ظهرت برامج المقالب، وتسابق المشاهير على إنتاجها وتقديمها عبر نجوم الرياضة والفن. بدأت هذه البرامج بشكل بسيط، ثم تطورت نحو مزيد من الإبهار والمخاطرة، حتى تحولت أحيانًا إلى إهانة للضيف عبر مشاهد رعب أو مواقف خطرة، وتعليقات جارحة بحجة المزاح والضحك. ونجد الضيف في نهاية الحلقة متسخ الثياب، مبللًا، منكوش الشعر، بل إن بعضهم تعرض لإصابات جسدية أو نفسية. والمفارقة أن بعض الضيوف تجاوزوا الستين من العمر ولهم تاريخ فني أو رياضي أو إعلامي عريق.

هنا أتساءل: ما المغزى الذي يعود علينا نحن كمشاهدين؟ وما الذي يدفع الضيف إلى قبول كل تلك الإهانات والمواقف المحرجة؟ وأحيانًا يصل الأمر إلى أن يضرب الضيف مقدم البرنامج من شدة الغضب، قبل أن يحتضنه الأخير ضاحكًا ويخبره أن ما حدث مجرد مقلب!

يقول البعض إن ما يُقدَّم يتم برضى الضيف وباتفاق مسبق، وأن كل ما يحدث مجرد تمثيل مقابل مردود مالي مرتفع. لكن يبقى السؤال: سواء كان الأمر متفقًا عليه أم لا، ما الفائدة التي نجنيها نحن كمشاهدين؟
أهي المتعة؟ وكيف يمكن أن نجد المتعة في أذية الآخرين؟

وما الدروس التي يتعلمها أطفالنا من ذلك؟ هل نعلّمهم تقبّل الإهانة من أجل المال؟ أم نربّيهم على الاستمتاع بمشاهدة الآخرين وهم يتعرضون لمواقف محرجة أو خطرة؟

ندرك أن الأطفال هم أكثر الفئات متابعة لهذه البرامج، وكلنا نعلم أن الطفل يتلقى من التلفاز الكثير من الدروس الحياتية، ويتأثر بما يشاهده وقد يقلد ما يراه مع إخوته في المنزل أو مع أصدقائه في المدرسة.

لذلك ليتنا نتفق على مقاطعة هذه الأنواع من البرامج، بل والمطالبة بإيقافها، أو على الأقل محاسبة من يسيء إلى العرف الاجتماعي، ويروج للتعليقات الجارحة والإيحاءات التي لا تمت للأخلاق بصلة. فالتلفاز يقتحم بيوتنا وحياتنا شئنا أم أبينا.

ولا تقنعوني بأنها حرية شخصية، وأن بإمكان من لا يعجبه المحتوى أن يغير القناة أو يغلق التلفاز؛ فنحن نعلم أن أطفالنا يستطيعون الوصول إلى هذه البرامج بسهولة عبر الإنترنت وفي أي وقت.

علينا أن ندرك أن أي سقوط أخلاقي في المجتمع ينعكس علينا جميعًا بشكل أو بآخر. فلنتكاتف من أجل رفض هذه البرامج الدخيلة على مجتمعاتنا وقيمنا الأصيلة، ولنَدعم في المقابل البرامج الهادفة التي تسهم في بناء مجتمع سليم يتمسك بمثله العليا ومبادئه السامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى