حين تضيق الجدران بالذكريات

بقلم: عبدالكريم الشنون
مستشار جودة الحياة والتمكين الاجتماعي
يُعد “المنزل” في الوجدان الإنساني أكثر من مجرد بناء مادي؛ إنه مخزن الذاكرة، ووعاء العواطف، والملاذ الذي نلوذ إليه من صخب الحياة. لكن، حين يطرق الموت أبوابنا ويغيب الأحبة، يطرأ تحول غريب على علاقتنا بهذا المكان؛ فتتحول الزوايا التي كانت مصدراً للأمان إلى مساحات تثير القلق، وتضيق الجدران بما رحبت، ويصبح دخول المنزل بمثابة مواجهة مباشرة مع حقيقة الفقد. هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها “اغتراب المكان”، تمثل تحدياً حقيقياً يواجه جودة الحياة، خاصة عندما يرتبط السكن بذكريات ممتدة مع أشخاص كانوا يمثلون محور الارتكاز العاطفي في حياتنا مما يجعل من عتبة الدار حاجزاً نفسياً يصعب عبوره أحياناً إلا برفقة الآخرين.
وفي حالات الحزن، تميل النفس البشرية بطبعها إلى الانكفاء، وهنا يتضخم شعور “الفقد” داخل المساحات السكنية الواسعة والفارغة، حيث يغذي الفراغ المادي الفراغ الوجداني، ويتحول الصمت الذي خلفه الراحلون إلى عبء يثقل الكاهل. في مثل هذه الظروف، يصبح التفكير في تغيير البيئة السكنية أو تقليص مساحة العيش ليس مجرد قرار عقاري أو مادي، بل هو استراتيجية تعافٍ نفسية تهدف إلى إعادة السيطرة على المحيط المكاني وتصغير دائرة الألم؛ فالمساحات الأصغر غالباً ما تمنح شعوراً بالاحتواء والأمان، وتسهل عملية الضبط النفسي بعيداً عن ضجيج الذكريات التي تملأ الردهات الواسعة.
ولتحقيق التوازن بين الوفاء للذكرى واستمرارية الحياة، تبرز الحاجة إلى إعادة هندسة الذاكرة البصرية داخل محيطنا. فالعين تألف المناظر، والدماغ يربط بين زوايا معينة وأشخاص غائبين، لذا فإن تغيير ترتيب الأثاث، أو تجديد ألوان الجدران، أو إعادة توظيف الغرف، يسهم بفعالية في كسر “الارتباط الشرطي” بين المكان والألم، ويمنح النفس إشعاراً خفياً بالبداية الجديدة. إنها محاولة لتطهير المكان من ثقل الماضي مع الحفاظ على جوهر الود، وتحويل السكون الذي يبعث على الكآبة إلى حركة إيجابية، سواء من خلال استضافة الأقارب أو ممارسة هوايات منزلية تبث الروح في الزوايا الصامتة.
إن جودة الحياة الحقيقية لا تتحقق بامتلاك المساحات الشاسعة، بل بالشعور بالسكينة داخل تلك المساحات. وعندما يصبح البقاء في مكان ما عائقاً أمام ممارسة الحياة الطبيعية، يصبح التغيير ضرورة صحية لا ترفاً. ويظل “التعافي عبر العطاء” هو المحرك الأقوى لتجاوز هذه المحن؛ فتوظيف العاطفة المكبوتة نحو العمل الاجتماعي أو رعاية الآخرين يعيد للفرد ثقته بجدوى وجوده، وينعكس إيجاباً على تقبله لمحيطه. في نهاية المطاف، الوفاء لمن رحلوا يكمن في الحفاظ على سلامتنا النفسية وقدرتنا على العطاء، مؤمنين بأن البيوت بُنيت لنسكنها بسلام، لا لتسكننا الأحزان فيها.





