اليوم العالمي للتوحد: استثمار في الطاقات وتكريس للمواطنة الكاملة

بقلم: عبد الكريم الشنون
مستشار جودة الحياة والتمكين الاجتماعي

يطل علينا الثاني من نيسان، اليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد، ليكون وقفة إنسانية وحقوقية تتجاوز حدود الاحتفالية السنوية العابرة؛ فهي مناسبة حقيقية لمراجعة العقد الاجتماعي والأخلاقي الذي يربطنا بفئة غالية من مجتمعنا، والعمل الجاد على انتقال ملف “التوحد” من خانة العطف والرعاية الهامشية إلى مربع الحقوق والتمكين المستدام.

إن التعامل مع المصابين بالتوحد يجب أن ينطلق اليوم من قاعدة قانونية صلبة تستند إلى الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، فحق الفرد في التعليم الدامج، والرعاية الصحية المتخصصة، والعيش المستقل، ليس “منحة” أو “عملاً خيرياً”، بل هو استحقاق مواطنة أصيل تكفله التشريعات، حيث إن أي غياب للأطر القانونية التي تحمي هؤلاء الأفراد من التنمر أو الإقصاء، يُعد إخلالاً مباشراً بمبدأ العدالة الاجتماعية الذي نسعى جميعاً لترسيخه في بنيان مجتمعاتنا.

ومن زاوية جودة الحياة والتمكين الاجتماعي، فإننا نؤمن يقيناً أن الإعاقة لا تكمن في الفرد نفسه بقدر ما تكمن في “البيئة غير المهيأة” التي تعج بالحواجز النفسية والمادية، لذا فإن تمكين ذوي التوحد يتطلب صياغة هندسة اجتماعية جديدة؛ تبدأ من تهيئة المؤسسات التعليمية، وصولاً إلى أسواق العمل التي يجب أن تستوعب “التنوع العصبي” كقيمة مضافة لا كعبء ثقيل. إن جودة حياة الفرد المصاب بالتوحد هي مرآة صادقة لجودة حياة أسرته بالكامل، فدعم الأهل نفسياً ومعرفياً ومادياً هو جزء لا يتجزأ من منظومة التمكين الشاملة التي تضمن استقرار النسيج المجتمعي.

ولقد أثبتت التجارب الواقعية أن الكثير من ذوي التوحد يمتلكون قدرات استثنائية في الدقة والتركيز والذكاء الرقمي، مما يعني أن الاستثمار في هذه الطاقات عبر برامج تدريبية متخصصة كفيل بتحويلهم من “متلقين للخدمات” إلى “منتجين ومساهمين” فاعلين في بناء الاقتصاد الوطني. وفي هذا اليوم، نرسل نداءً للوعي لكافة المؤسسات وصناع القرار لتبني رؤية دامجة حقيقية، فتمكين ذوي التوحد هو الاختبار الحقيقي لمدى رقيّنا الإنساني وقوة تماسكنا، ولنجعل من هذه المناسبة انطلاقة لعمل مؤسسي مستدام يضمن لكل فرد حقه في حياة كريمة، ومستقبل مشرق، ومكانة تليق بإنسانيته وتفرده تحت شمس الوطن.
عبدالكريم الشنون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى