ترامب يخطط لسرقة اليورانيوم الإيراني : رهانات كبرى ومخاطر مفتوحة
د. مهدي مبارك عبد الله
في مشهد متصاعد من التوترات بين واشنطن وطهران يبدو أن الصراع حول البرنامج النووي الإيراني دخل مرحلة جديدة أكثر خطورة بعد أن تبين أن الضربات الجوية الأمريكية الإسرائيلية لم تحقق الهدف المعلن من تدمير مخزون اليورانيوم المخصب مما يفتح الباب أمام خيارات عسكرية برية غير مسبوقة وقد أظهرت تقارير ومصادر أمريكية وإسرائيلية أن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب ما زال موجوداً في منشآت عميقة تحت الأرض في أصفهان ونطنز وفوردو وأن الوصول إليه والتحكم به يتطلب عملية برية واسعة ومعقدة تفوق أي عمليات سابقة في عمق الأراضي الإيرانية
المعلومات الدقيقة تكشف أن حجم المخزون الإيراني يكفي لإنتاج عدة قنابل نووية إذا ما تم رفع تركيزه إلى 90 بالمئة وهو ما يجعل أي محاولة للتدخل العسكري محفوفة بالمخاطر البيئية والإشعاعية والتكتيكية إذ أن اليورانيوم المخزن في أنفاق محصنة يفرض تحديات غير عادية على القوات الخاصة التي ستشارك في العملية والتي من المحتمل أن تشمل وحدات دلتا وفريق البحرية السادس بالتنسيق مع خبراء إسرائيليين في اقتحام الأنفاق والتعامل مع المواد النووية ويستلزم الأمر تأمين محيط المنشآت بالكامل مع غطاء جوي مستمر ورصد استخباراتي لحظي وقدرة على الانتقال والتزود بالوقود في عمق مئات الكيلومترات داخل الأراضي الإيرانية وهو ما يحول أي اقتحام من ضربة خاطفة إلى حملة معقدة قد تمتد لأيام وربما أسابيع
التحديات اللوجستية التي تواجه العملية تشمل نقل المعدات الثقيلة للتعامل مع الأنفاق والمواد المشعة وتوفير حماية من أي هجمات محتملة من القوات الإيرانية إضافة إلى تأمين نقل المواد المستخرجة جواً دون تسرب إشعاعي وقدرتها على الوصول إلى قواعد آمنة مع الحفاظ على سلامة الجنود والبيئة المحيطة ويبرز من بين المخاطر التقنية احتمال تفاعل اليورانيوم مع الرطوبة لإنتاج غازات سامة مثل فلوريد الهيدروجين أو حدوث انفجارات إذا لم يتم التعامل مع الأسطوانات بحذر شديد وهو ما يزيد من تعقيد العملية ويحولها إلى مغامرة كبرى تتطلب تدريباً مكثفاً وتجهيزات متخصصة
من الناحية السياسية تمثل هذه الخطوة رهانا مزدوجا للرئيس الأمريكي الذي يسعى لإعادة بناء صورة الردع الأمريكي بعد سنوات من التآكل النسبي كما تعكس رغبة في إعلان نصر حاسم ضد البرنامج النووي الإيراني حتى لو بقي النظام قائماً وهذا التوجه يعكس أيضا أزمة ثقة في المسار التفاوضي التقليدي ويحول القضية من أداة ضغط دبلوماسي إلى اختبار للقوة الصلبة الأمريكية ويضع واشنطن أمام مفترق طرق حاد إذ أن أي خطأ أو فشل في تنفيذ العملية قد يؤدي إلى أزمة دبلوماسية وإقليمية كبيرة مع تصعيد محتمل يشمل حلفاء إيران في المنطقة ويعيد فتح جبهات متعددة ويعرض قواعد أمريكية وممرات ملاحة بحرية للخطر
من منظور إيراني القيادة السياسية والعسكرية تبدو غير مستعدة للتنازل عن مخزونها النووي وهو ما يعني أن أي محاولة أمريكية مباشرة ستواجه مقاومة شديدة وقد تفضي إلى مواجهة واسعة النطاق ويضيف ذلك بعداً استراتيجياً إضافياً يجعل نجاح العملية رهينة ليس فقط بالقدرة العسكرية الأمريكية بل برد فعل القوى الإقليمية والدولية وحلفاء واشنطن كما يضع أمامها معضلة ما إذا كان الهدف التكتيكي يستحق المخاطرة بإشعال صراع طويل ومعقد
اللافت ان تصريحات الرئيس الأمريكي نفسه تكشف عن إدراك محدود للخطورة العملية إذ أشار إلى صعوبة نقل اليورانيوم المخصب وثقله وخطورته مبيناً أن أي اقتحام مباشر سيكون خطيراً جداً وسيستغرق وقتاً طويلاً وهو ما يعكس حساسية الموقف وعدم وجود ضمانات للنجاح ويؤكد أيضا أن الضربات الجوية السابقة لم تنجح في تحييد المخزون كما كان مخططاً لها مما يجعل التفكير في استخدام القوة البرية خطوة استثنائية تعكس حجم المخاطرة التي يستعد ترامب للرهان عليها
على ارض الواقع يظهر أن الصراع على اليورانيوم الإيراني تحول إلى اختبار لقدرة القوة الأمريكية على فرض إرادتها في مواجهة معقدة حيث تتشابك الاعتبارات العسكرية مع المخاطر البيئية والاستراتيجية والسياسية ويتضح أن أي قرار بالمضي في العملية سيضع واشنطن أمام تحديات غير مسبوقة ويجعل مستقبل الصراع النووي الإيراني مفتوحا على كل الاحتمالات مع بقاء المخزون النووي الإيراني نقطة اشتعال مركزية لمعادل القوة القادمة في المنطقة
ان نجاح هذه العملية يعتمد على قدرة واشنطن على الموازنة بين المكاسب العسكرية والسياسية وبين المخاطر الاستراتيجية وضمان السيطرة على الوضع بعد التنفيذ لمنع أي ردود فعل إقليمية أو دولية قد تؤدي إلى فشل المهمة كما يظل
أي دخول عسكري بري سيظل اختبارًا لقدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها في مواجهة برنامج نووي معقد وإدارة الأزمات الكبرى والتأكد من عدم تحول المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة بينما يبقى التوازن بين المكاسب والتهديدات محور كل خطوة من خطوات التنفيذ ويضع الإدارة الأمريكية أمام مفترق طرق استراتيجي دقيق
في الختام لقد بات واضحا ان ملف اليورانيوم الإيراني اصبح البرهان الحقيقيً لقدرة الإدارة الأمريكية على الموازنة بين القوة والديبلوماسية وبين المخاطر الاستراتيجية والتداعيات الإقليمية وتبعات أي خطأ على المصالح الأمريكية وحلفائها وفي الوقت نفسه فرصة لإظهار الحسم وقدرة الردع الأمريكي ولكن ان أي عملية ستظل محفوفة بالمخاطر الكبرى وستحتاج إلى تخطيط دقيق وتحكم كامل في المعلومات والعمليات والتوقيت بما يضمن السيطرة على الوضع ومنع أي تصعيد غير محسوب وهو ما يجعل الولايات المتحدة قادرة على تحقيق أهدافها النووية دون أن تتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة يصبح القرار النهائي للرئيس ترامب اختبارًا للحنكة السياسية والاستراتيجية والقدرة على إدارة الأزمات الكبرى ويظل التوازن بين المكاسب والتهديدات محور اساسي لكل خطوة في هذه اللعبة المعقدة من القوة والتأثير العسكري والدبلوماسي
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]




