هل النضجُ أن أنسى من أنا؟

بقلم: حلا رازم
صباحٌ مشرق وشارعٌ يملؤه مزيجٌ من زقزقة العصافير وهتافات الأطفال حيث تتعالى ضحكاتهم وتملأ كلِّ زقاقٍ .
هذه الضحكات البريئة التي تقع في زوايا ذاكرتنا تذكّرنا بالمرحلة التي عشناها بهمومٍ صغيرة أقصاها أن يحلّ صباحَ غدٍ بسرعة ؛لكي نلعب ، حيث كانت الحياةُ أبسط وكان الجهلُ نعمة .
واذا تحدثنا عن الطفولة أكثر لم تكن طفولة جميعنا هكذا بريئة او مليئة بالضحكات واللعب فمنّا منذ الوقت الذي فتحت به عيناه على هذه الدنيا وهو يحملُ همومها ولم يشعر بدفء هذه الذكريات أبداً ، هو الذي كبُر قبل أوانه وبقي يكبر ليس لانه أراد بل لأنه أجبر تعلم أن يخفي تعبه بصمت وحسرتهُ بالنوم وأن يجيد التظاهر بالقوة حتى يقوى .
لكنَّ فصل الطفولة البريئة الممتلئة بالضحكات وأحلامُ الفضاء لن يستمر فالأيامُ تنتظرنا لتكبّرنا وتعلمنا ، كبرنا وكأن الحياة تريد أن تُفتّح أعيننا على حقيقتها على أنها دار امتحانٍ وليس لهو ودار شقاءٍ ليس راحة ، قررت أن تعلمنا كل الذي كانت عقولنا الصغيرة تجهله ، تعلّمنا أن ليس كل ما يقال حقيقة وأن ليس جميع من حولنا يتمنى لنا الخير وما نحب وأن الليل هو أكثرُ هدوءٍ من الصباح الذي تنتظرنا فيه طرقٌ شاقةٌ متعبة ، لتعلّمنا أيضاً أن بعض القلوب تشبهنا في البدايات فقط وأن الأحلام لم توجد جميعها لتتحقق .
أشتاقُ لها أحياناً … لبراءتها ، همومها ، أحلامها وحتى ثقتها التي كانت تظهر من غير ادعاء ، أشتاق لتلك القدرة الغريبة القادره على تجاوز الصعاب دون أن تترك بها أثراً مؤلم ، لتلك القوة التي لم يكن يهمها سوى أن يكون غداً أفضل ، إن أمعنتُ النظر إليها الآن سأعرف أنها لم تكن أقوى بل كانت أبسط وأصفى ، لم تر بعيونها البريئة ما رأيت ولم تشعر بقلبها المتسامح بما شعرت .
أما الآن فقد فقدت بساطتها أصبحت أكثر حبكة وعقدة حتى أضاعت الحل أصبحت أسيرةَ أفكارها هشيمةَ لكنها كسبت فهمها لذاتها ومعرفتها لنفسها أصبح أوعى وأكثر علمٍ بأي طريقٍ تسعى وأي حلُمٍ تبتغي صارت تميز ما تستحق وترفض ما لا يليق بها لم تعد أيضاً سهلة الكسر مثل السابق .
وفي النهاية أن لا أحتاج أن أشتاق لنفسي أو أن أتحسر عليها بل أحتاج أن أتصالح معها وأعرف أن لولاها لما أصبحت الشخص الذي عليه أنا الآن فهي كانت جزءا من رحلتي في معرفة نفسي وتكوينها لكن بنسخةٍ أبرء وأكثر استمتاعٍ بالحياة فالنضج ليس أن ننسى من كنا بل أن نفخر بتلك النسخة الصغيرة منّا التي لم تستسلم و أوصلتنا .





