المهندس مهند الخياط … نموذج للشاب الأردني الذي يحفر الصخر بثبات

كتب: ليث الفراية
ليست كل الحكايات تُروى من بداياتها، فبعضها يُقرأ من أثرها، من الصمت الذي يسبق الاسم، ومن المسافة التي يقطعها الإنسان بين ما وُلد عليه، وما اختار أن يكونه هناك رجال يُعرفون بأعمالهم، وحضورهم يُقاس بعمق أثرهم وفي هذا السياق، يأتي اسم المهندس مهند الخياط، الرئيس التنفيذي لشركة KA_DESIGN_STUDIO وعضو مجلس إدارة في مؤسسة المهندس مازن الخياط ، كحالة تُقرأ بهدوء، لكنها تُفهم بثقل؛ حالة تشبه البناء المتقن، بطيئة في ظاهرها، عميقة في أساسها، وباقية رغم تغيّر كل شيء.
الحديث عن مهند الخياط لا يمكن أن يكون سطحياً، لأنه لم يصنع نفسه على السطح فهو ابن بيئة هندسية عريقة، نشأ في ظل اسم كبير بحجم المهندس مازن الخياط، أحد أعمدة الهندسة في الأردن، لكن هذه الحقيقة لم تكن مظلةً يحتمي بها، بل كانت سقفاً عليه أن يرفعه أكثر، أو أن يكون على مستواه وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية؛ حكاية شاب أدرك مبكراً أن الإرث مسؤولية، وأن الاسم الكبير لا يغني عن الجهد، بل يضاعف ثمن التقصير إن حدث.
لم يسلك مهند الخياط الطريق السهل، ولم يُراهن على ما هو جاهز، بل اختار أن يبني نفسه كما تُبنى المشاريع الكبرى؛ فكرة تسبقها رؤية، وخطوة تليها خطوات، وثقة تُنتزع من خلال العمل المتواصل حيث كان واضحاً منذ بداياته أنه لا يريد أن يكون مجرد امتداد، بل إضافة، وأن حضوره يجب أن يُصاغ بجهده وهذا ما جعله يتعامل مع كل تجربة، مهما كانت صغيرة، بوصفها لبنة في بناء اسمه، لا محطة عابرة.
وفي شخصيته، يظهر توازن نادر بين الصرامة المهنية والهدوء الشخصي فهو من أولئك الذين لا يتحدثون كثيراً، لكن أعمالهم تتحدث عنه حيث لا يُغريه الاستعجال، ولا يُقنعه الحل السريع، بل يؤمن بأن القيمة الحقيقية تكمن في التفاصيل، في تلك المساحات التي قد لا يراها الجميع، لكنها تصنع الفارق بين عمل عادي وآخر يُحترم وهذا الفهم العميق لمعنى الإتقان جاء عبر سنوات من الاحتكاك الحقيقي بالمهنة، ومن إدراك أن الهندسة ليست مجرد مخططات، بل مسؤولية أخلاقية تجاه كل ما يُبنى.
تتجلّى رؤيته عملياً من خلال شركة KA_DESIGN_STUDIO، التي لم تكن مجرد كيان هندسي تقليدي، بل منصة لترجمة أفكاره إلى واقع ملموس حيث الشركة تعكس شخصيته إلى حد كبير؛ من حيث الدقة، والهدوء، والاهتمام بالتفاصيل ومن تنفيذ وتصميم المشاريع الهندسية، والبناء “العظم”، والتشطيبات الداخلية، وصولاً إلى التراخيص والدورات المتخصصة، تتضح فلسفته القائمة على تكامل العمل حيث لم يتعامل مع الشركة كوسيلة حضور، بل كأداة تأثير، وكمرآة تعكس معاييره العالية في الجودة والانضباط حيث ركّز على ترسيخها نوعاً لا كمّاً، واضعاً نصب عينيه أن قيمة أي عمل هندسي تظهر في صموده وتمثيله لصاحبه بصدق وأصبحت الشركة امتداداً طبيعياً لفكره، تحمل بصمته في كل تفصيلة، وكأنها مشروعه المستمر لإثبات أن النجاح الحقيقي يُبنى.
القيادة عنده ليست موقعاً بل سلوكاً. قدم نموذجاً مختلفاً في إدارة العمل، يقوم على بناء الإنسان قبل المشروع، وترسيخ ثقافة تقدس الجودة وتقاوم الاستسهال حيث لا ينظر إلى الفريق كأدوات تنفيذ، بل كعقول تُنمّى وخبرات تُصقل، وهو ما انعكس على بيئة عمل قائمة على الفهم المشترك، وعلى الإيمان بالفكرة لا مجرد تنفيذها.
اهتمامه بالدورات الهندسية والتدريب امتداد طبيعي لفكره حيث يدرك أن المعرفة إن لم تُنقل، تذبل، وأن الخبرة إن لم تُشارك، تفقد جزءاً من قيمتها لذلك، كان حاضراً ليس كمدرب فقط، بل كحامل رسالة، يؤمن أن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر فقط، بل في العقول التي ستبني هذا الحجر مستقبلاً.
في هذه التجربة، تتجلى معادلة صعبة نجح في تحقيقها؛ أن يكون وفياً للأصل دون أن يكون أسيراً له، وأن يحمل إرث والده بفخر دون أن يذوب فيه حيث كتب اسمه بهدوء، وبثقة، وبحضور قائم على تراكم حقيقي.
ما يجعل مهند الخياط حالة تستحق التوقف ليس فقط ما أنجزه، بل الطريقة التي أنجز بها حيث اختار الجوهر على الظهور، والطريق الطويل على المختصر، لأنه الطريق الوحيد الذي يُنتج اسماً يُبقى.
وفي النهاية، لا يمكن اختزاله في لقب أو منصب، لأنه يتجاوز ذلك نحن أمام رجل يدرك أن الحياة المهنية مسار طويل يُقاس بالثبات والعمق رجل يبني اسمه كما تُبنى المدن التي تصمد؛ بأساسات لا تُرى، لكنها تحمل كل شيء.
وهنا فقط، يمكن فهم الحكاية كما يجب مهند الخياط لا يصنع نجاحه ليُقال عنه، بل ليبقى بعده.




