حين تذبح البراءة

بقلم: ريم عادل كوسى
في كل مرة تندلع فيها حرب، لا تقاس الخسائر بعدد القتلى فقط، بل بعدد الطفولات التي تذبح بصمت. تذبح هناك بعيدا عن طاولات القرار حيث ترسم الخرائط وتصاغ البيانات، يقف طفل صغير في مواجهة عالم فقد إنسانيته، لا يفهم لماذا تحول بيته إلى ركام، ولا لماذا صار الخوف لغته الأولى.
الأطفال ليسوا ضحايا جانبيين بل هم الهدف الأسهل، انهم الوقود الحقيقي لكل حرب عمياء، لأنهم الأضعف ولأن صرخاتهم لا تغيّر موازين القوى. هنا تسلب منهم طفولتهم كما تسلب الأوطان، بلا اعتذار، وبلا مساءلة ويدفعون إلى الجوع كأنّه قدر، وإلى النزوح كأنّه لعبة، وإلى الفقد كأنّه درس مبكر في “الواقع”.
أي قسوة واي جنون واية وقاحة واية عربدة هذه التي تجعل طفلًا يبحث عن بقايا طعام بين الأنقاض؟ وأي زمن رديء هذا الذي يرى فيه العالم طفلًا يرتجف بردا وخوفًا وهلعاً ثم يواصل يومه كأن شيئًا لم يكن؟!! إنهم لا يخسرون بيوتهم فقط، بل يخسرون الإحساس بالأمان، بالثقة، وبالحياة نفسها. انهم يكبرون وهم يحملون ذاكرة مثقلة بالدم، وأحلاما مبتورة قبل أن تبدأ.
الأكثر فظاعة، ليس ما يرتكب بحقهم فحسب، بل صمت العالم عليه أي أن تتحول صورهم إلى مادةٍ للاستهلاك، وأن تستدر بها العواطف لساعات، ثم تطوى الصفحة، أي أن يصبح موتهم خبرا عابرا، وأن تتحول معاناتهم إلى أرقام وإحصائيات باردة في تقارير لا تبكي.
هؤلاء الأطفال لا ذنب لهم إلا أنهم ولدوا في زمنٍ اختار فيه الكبار أن يكونوا وحوشًا. يدفعون ثمن حماقات لم يشاركوا فيها، ويُتركون ليواجهوا مصيرًا لا يليق حتى بأقسى القلوب.
في الختام، ليس السؤال كم طفلا يجب أن يموت حتى نصحو، بل: كم تبقى فينا من إنسانية لنشعر أصلًا؟ لأن العالم الذي يعتاد على ذبح البراءة، ليس عالما في أزمة… بل عالم فقد روحه تماما





